رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د.عبد السند يمامة
رئيس مجلس التحرير
سامي أبو العز
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د.عبد السند يمامة
رئيس مجلس التحرير
سامي أبو العز
رئيس التحرير
ياسر شورى

أوراق مسافرة

حين أعود من مدرستى حاملة حقيبتى المليئة بالكتب وتعليمات المعلمين بالواجبات المنزلية، كان طريق العودة للبيت يبدو شاقاً ومجهداً سواء فى برد الشتاء أو فى حر الصيف، غير أنى ما أن أدلف بيتنا، وأشتم رائحة الطبيخ الذى يعد مؤشراً على وجود أمى - المخلوق الرائع الساحر السوبر - فى المطبخ إلا ويتبدد لدى الشعور بالتعب، أهرول إليها، فتلقمنى قليلاً مما تطهو على سبيل «التصبيرة» بالصعيدى، وأنتظر مع أشقائى بفارغ الصبر عودة الرجل العظيم الذى نعيش فى كنفه، ونحتمى فى وجوده، ونأمن من شر ما خلق الله بقوته وصلابته ورجولته.. أبى.. يعود بوجهه الأسمر وعينيه الزرقاوين النادرتين، وابتسامة طيبة لا تفارقه، نتجمع حول «الطبلية» توزع أمى قطع اللحم، أو ما تيسر من خيرات الله، وتعطى لأبى نصيباً أوفر، لأنه «شقيان» طيلة النهار، نأكل.. نشبع، نشعر بالرضا، وأهم من الشعور بالرضا.. الشعور بالأمان، أمان وجودنا بين أب وأم متحابين متفاهمين، راضيين بما قسمه الله لهما من رزق وحفنة أولاد، يتقاسمان مهام وأدوار الحياة فى حب وتضحية وعطاء، يسعى كل منهما دؤوباً لإسعاد الآخر وإراحة الآخر، وإيثار الآخر على نفسه.

إنه ليس فيلماً (أبيض وأسود)، بل حقيقة عشتها فى بيتى ومؤكد عاشها معظم جيلى، حتى كبرت وتخرجت وإخوتى من الجامعات وشق كل منا طريقه للحياة، وبداخله شعور قوى بالحب، والترابط والانتماء والسند، لدرجة تخيلت فيها أنه لا شىء يمكن أن يفرق أبى وأمى، أو يهزمهما، حتى فعل المرض والموت أفاعيله واختطفهما واحداً تلو الآخر، لكنهما تركا فينا ما لا يضيع أبداً.. حب.. عطاء.. ترابط أخوى.. أخلاق العائلة التى حاول كل منا بدوره ممارستها فى أسرته الجديدة، بجانب وقوفنا القوى بين بعضنا البعض كأشقاء.

أين أسرنا المصرية من أخلاق «العيلة»، أين العلاقة المحترمة بين الزوجين، والصورة الطيبة المتماسكة التى يقدمانها لأولادهما، الأنانية يا سادة خربت البيوت المصرية، وجعلت كل طرف من الزوجين لا يفكر إلا فى نفسه، حتى لو كان مصير ومستقبل الأولاد هو الثمن، وقد شرع الله الطلاق حال استحالة استكمال الحياة معاً، عندئذ لا يجب أن يكون الأولاد هم الضحية، لا يجب أن ينتقم الأب أو الأم من الآخر فى الأطفال، ويجعل من الصغار سلاحاً يطعن به الطرف الثانى، لماذا يكون الطلاق بداية لإشعال حرب لا أخلاقية ضروس بين الاثنين، وينسيان الفضل بينهما، وكل ما كان من مودة وعشرة وحب نجم عنها مجىء أطفال للحياة.

يا سادة عندما نسينا الشرع والقوانين الإلهية فى تنظيم حياتنا وعلاقاتنا وتنصيب ضمائرنا، ونسينا مراعاة الله والخوف منه فى سلوكنا، ولجأنا إلى القوانين الوضعية، ضاعت الحقوق، فماذا يعنى قانون الرؤية الحزين؟ الذى يهدر آدمية وأمان الأطفال، ويجعلهم فى حلبة الصراع الوحشى الدائر بين الأب والأم، حيث يتفنن الأب أو الأم فى الكيد لحرمان الطرف الآخر بكل الطرق من رؤية الأولاد، لماذا لا يتم التوافق الأخلاقى والإنسانى فى تنظيم الرؤية بين الطرفين حتى دون محاكم وبهدلة، وتوفير مناخ نفسى شبه طبيعى للصغار.

وماذا يعنى قانون الاستضافة دون رقابة حقيقية، حيث يتم إجبار الطفل على البقاء فى ضيافة الأب الذى هو فى حضانة أمه، مع عدم توافر أى مناخ صحى أو نفسى طبيعى بمنزل الأب، مع تصاعد إمكانية سوء معاملة الأب للطفل، أو وجود زوجة أب قاسية تكيد للطفل وتعذبه، للأسف لا يتم الاهتمام القانونى أبداً بزيارة منزل الأب المضيف ومعرفة مدى أمان هذا المنزل وملاءمته، ومما يؤسف له أن الاستضافة قد تتم فى عشة أو بيت من بيوت المناطق العشوائية التى تضج بالجريمة وأسباب الانحراف، للأسف الطفل يدفع الثمن الأبشع من طلاق أبويه، مما يدمر نفسيته ويصيبه بالتمزق والإحساس بالضياع.. وللحديث بقية.