خارج السطر
الفن حرام. فسق وفجور. رجز من عمل الشيطان. دغدغة للمشاعر، وإلهاء للناس عن ذكر الله. الفن طريق جُهنم، تمثيلاً أو غناءً أو نحتاً. هكذا يقول المتطرفون الذين يتقربون لله بكره الجمال ورفض الإبداع.
فى تصورى، لو شاهد هؤلاء فيلم «يوم الدين» لتشككوا فى ظنونهم. لو تابعوا كيف تسمو الروح ويهنأ الدماغ بجمال المعنى ورُقى المضمون لراجعوا مقولة حُرمة الفن، وحُرمة التمثيل، وحُرمة المشاهدة.
سلام على مَن يُبدع. يُفكر. يُغيّر. يتأمل. يؤنسن الواقع المُر. يُفكك مشاهد القبح، ويعيد ترتيب الوجع ليُنتج جمالاً وخيراً وضياء.
لا أعرف أبوبكر شوقى مخرج ومؤلف فيلم «يوم الدين». لم ألتقيه ولم أحادثه، لكننى أحببته فناناً ذا ذائقة وحس، ومثقفا صاحب مشروع، قادراً على تحويل الفن إلى سُلم للرُقى والتحضر والقرب من الله، إلى جانب كونه طريقاً للمُتعة.
سيخطفك فيلم «يوم الدين» إلى حيث الإنسان الآخر، المُهمش، المكروب، المأزوم، المنفى داخل وطنه. ستدوخك قدرة فريق العمل على نقل حياة مريض جذام شُفى لكن آثار المرض شوهت وجهه ويديه، فصار لا يخرج من مستعمرة الجذام، متعايشاً مع ساكنيها. نقطة التغير فى حياة بشاى بطل الفيلم، والذى جسده راضى جمال مريض جذام حقيقى كانت فى وفاة زوجته، ما دفعه إلى الخروج للبحث عن أهله فى صعيد مصر حيث الناس العادية تعيش حياة مغايرة لما ألفه. فى رحلته إلى جذوره يصاحبه طفل يتيم يُدعى أوباما يرفض فراقه، ليلتقيا معاً بقلوب المجتمع المريض الرافض للآخر.
أيام ينهشهما الجوع ويطاردهما الخطر حتى يُصادفا مُهمشين آخرين يصبرون على الأوجاع ويعيشون على أمل وحيد هو «يوم الدين» حيث يتساوى الجميع أمام خالق الأكوان، بدون معنى للثراء أو النفوذ أو السلطة.
يصل بشاى إلى أهله، ويجد والده عجوزاً مشلولاً يطلب منه السماح على النسيان. يُخبره أنه تركه صغيراً فى مستعمرة الجذام وادعى موته ليمنحه الفرصة الأخرى للحياة فى مجتمع لا يرفضه ولا يحتقره.
الرضا وطمأنينة البال التى يخرج بها المشاهد تهون عليه مصائب وهموم حياة يومية مكدسة الأعباء.
أن تعرف أن فى الكون مَن يتألم أكثر منك وينزف إنسانيته أمام نظرات الاحتقار والرفض المحيط، ويصبر ويشكر أملاً فى يوم الدين، سمو ورقى روحى جميل.
أن تتيقن بأن الله يرى ويحاسب ويكافئ ويعوّض ويجازى، فثم قمة الإيمان.
ما يفعله فيلم «يوم الدين» فى نفوس الناس وما يتركه من عظة وعبرة، أعظم كثيرا من خُطب منبرية للشيخ محمد حسان، وأشد تأثيراً من شعارات مطاطة ترفعها حناجر أحزاب وتيارات متأسلمة.
صفاء الروح والرضا بقضاء الله الذى تخرج به من الفيلم أجمل كثيراً من سيديهات أبى إسحاق الحوينى والشيخ كشك، وأطيب من كُتب سيد قطب، وتويتات ياسر برهامى. وبالطبع أنفع.
والله أعلم.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض