رئيس حزب الوفد
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس الإدارة
د. خالد قنديل
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس الإدارة
د. خالد قنديل
رئيس التحرير
ياسر شورى

خارج السطر

يقول كافكا: «إن الكتاب الذى لا يصدمك لا يستحق قراءته»، لذا فنادراً أن يختطفنى كتاب، أو تُدهشنى كتابة لكاتب ما فى هذا الحين.

فى زمن المسخ، والرخاوة، يندر الجمال، وتخفت المواهب الحقيقية تحت ركام التكرار والسطحية وغياب الثقافة. يعتلى أنصاف المواهب صدارة المشهد، ويتوارى الكتبة الحقيقيون بين غابات الإحباط وعدم التحقق.

خيرى حسن نموذجاً. مثال حقيقى على الموهبة المُهمشة. العبقرية الفذة. الصعلكة الإبداعية.

يعجبنى جداً ذلك النموذج فى الصحافة. الأديب الذى صار صحفياً، والصحفى الذى أصبح أديباً. يكتب بتذوق وروعة. يتحسس قلمه كل كلمة وكل حرف كأنه يبحث عن لغة جديدة.

كتاب خيرى الأول «أبى كما لم يعرفه أحد» الصادر قبل أيام عن دار الهلال يؤكد أن الكتابة فعل استكشاف. غوص فى أعماق النفس البشرية لاستخراج مكنونات الإنسان الخافية. لحن موسيقى يُدغدغ مشاعرنا الصامتة.

يكتب خيرى حسن بروائية صافية وسرد جذاب كيف رأى أبناء المبدعين آباءهم. ينتقى 40 مبدعاً أبرزهم حسين رياض، عماد حمدى، عبدالحكيم قاسم، عبدالرحمن الأبنودى، النقشبندى، سيد حجاب، خيرى شلبى، على سالم، محمود شكوكو، ليعيد رسم دواخلهم الإنسانية. كيف عاشوا وكيف كانوا داخل أسرهم وكيف أثّروا فى أبنائهم وكيف ماتوا!

ما فعله خيرى أنه استنطق الشهود أبناء العباقرة الأفذاذ راسماً أحاسيسهم تجاه آبائهم الذين أحببناهم. طارحاً أسئلة حائرة حول آلامهم وأحزانهم وسقطاتهم الإنسانية.

آلمنى مثلاً شعور عماد حمدى فى أواخر أيامه بظلمه لابنه وزوجته الأولى وإهمالهما بسبب استغراقه فى الشهرة والأضواء، ما دفعه أن يبكى على صدر ابنه الأكبر فتحى مطالباً إياه أن يسامحه.

أدهشنى أن أجد ابنة على سالم صلبة صامدة فى الدفاع عن موقف أبيها فى الذهاب إلى إسرائيل طالباً التعايش السلمى.

أعجبنى أن تُفتش أسماء ابنة يحيى الطاهر عبدالله عن أبيها وإنسانياته وروعته بعد أن مات صغيراً فى حادث دون أن تعرفه حق معرفتها.

جميل أن نُعيد اكتشاف آبائنا. ما يدور فى قلوبهم نحونا لا نعرفه إلا عندما ننجب. الأب هو المعلم الأول والمرشد الابتدائى والصورة المسترجعة لنا من المستقبل.

أتذكر أبى ينبوع رحمة وشلال طيبة وعش حنان. سحب يدى نحو نور الرضا ودفعنى دفعاً فى طريق محبة الناس. رحمه الله كان سنداً وظهراً وصديقاً رائعاً. عندما رحل -وكلنا راحلون- فقدت مرشداً وناصحاً ومنيراً لى عتمات الحياة الزائلة.

سامح الله صديقى المجنون خيرى حسن. جدد لى شجناً مثلما جدد لأبناء 40 مبدعاً أشجان الذكريات الفائتة مع آبائهم. صدمنى خيرى بنمط كتابته. صدمنى صدمة فرحة لمن وجد ضالته بعد غياب طويل. صدمتنى حكاياته وتنقلاته بين مشهد ومشهد فى حيوات أفذاذ وعباقرة ومجانين أحبوا الناس وأحبوا الحياة وعاشوا للفن والجمال.

أراه بمحبة وأقرأه باستحسان وأتوقعه كاتباً فذا له موقعه فى زمن آخر يُكرم فيه الموهوبون والعباقرة.

خيرى صياد لؤلؤ فى بحر شديد الملوحة. رسام لوحات من اللغة السلسة الجذابة. مُهندس معمار السرد الصحفى. ضابط إيقاع الحكايات المدهشة. وقبل كل هذا هو صديقى الرائع.

فشكراً على صدماته.

[email protected]