خارج السطر
تحدثت والدة أسامة بن لادن لأول مرة فقالت كيف تحول ابنها الهادئ البرىء إلى قاتل، متعصب، لا يكترث لموت الأطفال.
أصابع السيدة أشارت إلى عبدالله عزام الفلسطينى الإخوانى الذى دفع أسامة من شخص طيب إلى مقاتل.
الجهاد، كان سُلم قيادة الملياردير السعودى إلى العنف. وكم من غايات حُسنى تدفع رجال نحو شرور مقيتة.
فى فكر الإخوان تتبدل المعانى بسهولة ويسر، ويتحول الأمر من جهاد المقاتلين إلى جهاد المسالمين. ثُم يتطور المصطلح ويمتد ليتجاوز فكرة قتال غير المسلم، لمواجهة المسلم «غير الملتزم بشرع الله حسب تصورهم» باعتباره الأولى بالمواجهة.
ذلك ما دفع ضابطاً شاباً أن يقتل الرئيس أنور السادات فى 6 أكتوبر 1981، وهو أيضاً ما دفع شابين يافعين أن يقتلا كاتباً مسالماً لا يمسك إلا قلمه هو فرج فودة سنة 1992.
الجهاد، كلمة براقة. حكاياته تمس شغاف القلوب وتستدعى بطولات عظيمة فى زمن الأوائل. فعل تضحية، طريق إلى الجنة الباقية السرمدية بعد حياة كل ما فيها زائل. عنوان لرضا الإله ودليل على أن كل ما نملك لله وحده.
بتلك الكلمة فتن الفاتنون وسيق الذين ضلوا إلى التهلكة زمراً لأنهم لم يفكروا ويتدبروا ويحللوا بعمق كيف ساروا خلف رجال يبحثون عن زعامات شخصية اعتقاداً أنهم يمثلون الإسلام.
هل كان حسن البنا مجاهداً؟ هل وجه الرجل رصاص رجاله إلى قلوب الإنجليز المحتلين للبلاد؟ هل نفّذ أحد الإخوان عمليات فدائية ضد قادة أو عسكريين إنجليز؟ كان رصاص الجماعة موجها ضد المصريين المختلفين مع زعيم الإخوان سياسياً، وقتلوا القاضى الخازندار، وحكمدار العاصمة سليم زكى، قبل أن تمتد أياديهم إلى رئيس الوزراء نفسه محمود فهمى النقراشى.
بنفس المنطق حاول سيد قطب أن يضع إطاراً فكرياً لذلك التوجه: الجهاد ضد المسلمين. كتب الرجل عن جاهلية المجتمع وعن ضرورة العدوان عليه. قال إن هناك قوتين: واحدة تؤمن بالله وتتبع منهجه، والأخرى لا تتبع منهج الله، ومهمة الأولى أن تغير عليها وتخاصمها وتجابهها. وكتب أن جميع آيات القرآن التى وردت فى مسالمة المسالمين وحسن التعامل مع أهل الكتاب نسخت بآية السيف. وهكذا نقل الرجل فكرة الجهاد إلى ساحة جديدة هى الجهاد ضد المسالمين، وضد أبناء نفس الدين.
ضلال يلبس زى الفكر، وتشويه لدين سمح جاء بالرحمة ونادى بالتعايش مع الآخر أياً كان معتقده. لذا لا أكون مغالياً إن قلت إن ما فعله حسن البناء وسيد قطب بالإسلام لم يفعله خصومه وأعداؤه.
قصة أسامة بن لادن، هى قصة كثر. اقتربوا من الحق ثم انقلبوا عليه. حسبوا أنهم يحسنون صنعاً وهم من الأخسرين أعمالاً. طلبوا رضا الله فسفكوا دماء خلقه.
ليس غريباً أن تجد أستاذاً جامعياً أو صيدلياً أو طبيباً يمضى فى طريقهم. أولئك فتنوا بالجهاد ولم يعرفوا أبداً أن الجهاد الحقيقى هو جهاد النفس، وأن القتل والخراب ليس فعلاً ينصر الإسلام.
يقول الشاعر محمد إقبال: «فإلى متى صمتى وحولى أمة / يلهو بها السلطانُ والدرويشُ. / هذا بسبحته وذاك بسيفه. / وكلاهما مما تكد تعيشُ».
والله أعلم.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض