تأملات
من حق وزير الرى، بحكم موقعه ومسئوليته، أن ينفى وجود أى ارتباط بين العقوبات المقررة على أى تجاوز فى المساحات المخصصة لزراعة الأرز وبين قضية سد النهضة، ومن حق المواطن العادى أن يعمل عقله ويتأمل فى سياسات الدولة ليتوصل إلى أن مثل هذه الخطوة والخاصة بتقييد مساحات زراعة الأرز لم تكن لتتم، حتى لو تم التفكير فيها منذ سنوات، إلا لو كان هناك من الضرورات المستحدثة ما يتفرض العمل بها. نقول ذلك ليس من قبيل المكايدة فى وزير الرى أو المنصب الذى يمثله، وإنما من قبيل محاولة التأكيد على فكرة وضع المواطن موضع المسئولية وإشعاره بوجود أزمة حقيقية قائمة -سواء تفاقمت أزمة سد النهضة، أم تم حلها بسلاسة- بما يمكن أن يستتبعه ذلك من مشاركته بهمة فى محاولة تنفيذ تصورات الدولة لمواجهة الأزمة.
على خلفية هذا الفهم نقول إن من أولى واجبات المواطن فى هذه الفترة، بغض النظر عن مسارات التفاوض بشأن سد النهضة، تأييد والالتزام بسياسات الدولة فى مجال الحفاظ على استخدامات المياه خاصة فى المجال الزراعى، بل وغير الزراعى مثل الاستخدامات العادية فى المنازل وفى الصناعات والعمل على غرس ترشيد استهلاك المياه كنمط حياة وليس مجرد وسيلة لمواجهة أزمة ربما تكون طارئة وربما تكون غير ذلك.
وعلى ذلك ليس عيباً أن نقول إن مجمل السياسات التى تتبعها الدولة تشير إلى شعورها بالخطر – رغم حرصها على تجنب إيصال ذلك الشعور إلى المواطن العادى، وهو ما يقوض سياساتها ولا يدفع بها إلى الأمام قدماً. وهناك فى ذلك العديد من المؤشرات التى لا يمكن أن تخطئها العين وأشرنا إلى بعضها فى مقالات سابقة ومنها على سبيل المثال لا الحصر سياسة تحلية المياه، وهى سياسة يجب أن تلقى كل الدعم باعتبارها توفر مخرجاً مناسباً لاستخدامات المنازل، رغم تكلفتها الباهظة الأمر الذى يمكن على المدى الطويل وبفعل نمط الإنتاج الكبير والتوسع المتواصل تخفيض تكلفتها بقدر كبير بفعل تطوير تكنولوجياتها.
من بين المؤشرات الأخرى الإيجابية على سعى الدولة لمواجهة أى تأثيرات سلبية لأزمة المياه وهو فى جانب كبير منه يعود لقضية سد النهضة، وأى حديث غير ذلك يعنى أننا نخدع أنفسنا، ما بحثه مجلس الوزراء فى اجتماعه الأخير بشأن التوسع فى استخدام ابتكارات بسيطة تسهم فى عمليات ترشيد المياه، وعلى رأس هذه الابتكارات منظم تنتجه وزارة الإنتاج الحربى يعمل على تقليل كمية المياه المستهلكة بنسبة تصل إلى 75%.
ومن المؤشرات الأخرى على سياسة مواجهة أزمة المياه المحتملة مسعى الدولة لتغليظ العقوبات على أى مظاهر لهدر المياه وفى هذا الإطار يأتى قرار فرض 10 آلاف جنيها غرامة على غسيل أو رش الشوارع رغم أنه قرار لم يتم تفعيله وهو ما يشير إلى أنه لم يؤخذ بالجدية الكافية.
وربما تكون هناك خطوات أكبر مطلوبة لتغيير نظرة المواطن المصرى للمياه التى اعتاد على مدار تاريخه على أنها سلعة غير نادرة حتى أننا نضرب بها المثل فى اعتبارها من السلع المتوافرة بالبديهة.. فنصف ضرورة توافر بعض الأشياء بأنها يجب أن تكون كالماء والهواء، ومن ذلك إعادة النظر فى المساحات المزروعة كحدائق فى الكمبوندات، والأندية الرياضية والاجتماعية، وتوسيع اعتماد مثل هذه المساحات على مياه الصرف الصحى وغير ذلك مما يجب أن يندرج فى إطار استراتيجية شاملة وليس رؤى جزئية للتعامل مع قضية المياه.
كل ما سبق وجه واحد للتعامل مع الأزمة، هو الوجه الداخلى، ويبقى وجه آخر هو وجه الخارجى والمتمثل فى التعامل مع الدولة المتسببة فيها وهى إثيوبيا، فى تقديرى أن المطلوب التعامل بنفس الروح الداخلية والتى تتسم بالحزم والشعور بوطأة أى تطور سلبى فى مدى توافر المياه، صحيح أن هذه الروح ربما تكون موجودة غير أنها –فى حدود متابعة مسار المفاوضات– ربما تبدو غير ذات تأثير كبير على الطرف الآخر. ورغم التصريح الذى قدم تطمينات من قبل رئيس الوزراء الإثيوبى الجديد والذى حرص خلاله على التأكيد على أن حصة مصر لن تتغير بسبب سد النهضة، إلا أنه تصريح يحمل قدراً من اللبس حيث إن المشكلة ليست على الحصص وإنما على طريقة ملء السد، وتلك مسألة فنية لا نريد الغوص فيها.
السؤال الذى بات يشغل الكثير من المواطنين المصريين هو متى يغلق ملف سد النهضة دون تأثيرات جوهرية على حياتهم.. أما نقص المياه لأسباب أخرى فهم كفيلون بمعالجتها!
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض