خارج السطر
بصمات الابداع خالدة. لا يموت الذين يرسمون، ينحتون، يصعنون جمالاً. الكاتب الجميل حى مادامت كلماته تحمل تأثيرها بعد فناء جسده.
يقول الشاعر الجميل الراحل نزار قبانى « فما مات مَن فى الزمانِ أحبَّ / ولا مات مَن غردا» . لذا سيبقى بيتهوفن إلى نهاية التاريخ. سيعيش بيكاسو قرونا وقرونا. سيخلد ذكر شوبنهاور، وباخ، وماركيز، وشارلى شابلن.
البصمات قوية، والتأثير مُستمر لأولئك المبدعين المُتجاوزين لقيود الواقع المُحيط. فقر أمل دنقل لم يمنع تدفق إبداعه، وبؤس سارماجو لم يدفعه للتقوقع والسكون. وفقدان البصر لبشار بن برد لم يُحبط ثورته الشعرية والجمالية. ولم يمحو الرصاص نفسه عظمة وجمال لوركا.
تلك المقدمة ضرورية للحديث عن طارق عباس . ذلك الموسيقى المُتمرد . المُثقف النابه، صائغ الفكرة، ومطلق الدهشة الذى لا يلتفت لبيروقراطية ولا يعبأ بتجاهل. يمضى فى طريقه مُبدعاً بتفان وإخلاص طالباً نفع الناس، تبصيرهم، ترقيقهم، ولمس دواخلهم بحنان.
حرمه الله من نعمة البصر، فأبصر ما فات مسئولين، ورجال أعمال، ومشاهير كتابة، وأصحاب نفوذ رؤيته. نفع الناس مُمكن بالعلم مثلما هو بالمال. بالفن مثلما هو بالنفوذ. نحن مخلوقون لعبادة الله، وأحد مسارات العبادة أن ننفع الناس.
حمل طارق عباس عوده، وقرر أن يمزج بين العلم الأكاديمى والفن، فقدم ونفّذ فكرة جديدة لتعليم الأجانب اللغة العربية من خلال الموسيقى.
قال لى إن فكرته تعتمد على كون الموسيقى اللغة الوحيدة المشتركة بين شعوب العالم. كل مُتذوق للموسيقى يعرف إن كانت النغمات حزينة أم فرحة. الربط باللغة العربية مُمكن وجذاب ورائع، وتقديم الأغانى والتواشيح تضبُط قواعد النحو واللغة.
مركز بجامعة القاهرة احتضن فكرة طارق عباس فأقبل كوريون، صينيون، روس، أفارقة، وأوروبيون لدراسة العربية عن طريق الموسيقى. ضفاف من التعايش بين الثقافات، وجسرو من الحوار والتلاقى بين الشعوب.
طارق عباس مُبدع مُتمرد، يتجاوز واقعه. غياب نعمة البصر لم يُحبطه ويُثبطه. درس أبى العلاء المعرى بجد وحصل على الدكتوراه فى اللغة العربية فى شعره، وقرأ ما لم نقرأ، وغاص فى اللغة، وتذوق الجمال، ثُم مزج ذلك بموهبته الفريدة فى التلحين، فأسس فرقة «ونس» ليُبهر زوار الأوبرا قبل أسابيع بعرض موسيقى فاتن، يؤكد أن لدينا كثير من النور لا نلتفت إليه.
مصر تحتاج إحياء وإذكاء قواها الناعمة التى ظلت عقود نائمة. الموسيقى، الثقافة، الأدب، السينما كُلها أذرع للتأثير الخارجى يجب دعمها وتشجيعها وفتح النوافذ لها لتنطلق نحو العالم الخارجى.
أشد سطراً تحت عبارة تثوير القوى الناعمة لمصر، وأنظر بإجلال واحترام وتقدير لكل مُبدع يستهدف إمتاع الناس وتطوير أذواقهم ودفعهم إلى الأمام.
فأما الزبد فيذهب جُفاء، وأما ما ينفع الناس فيمكث فى الأرض. والله دائماً أعلم.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض