أحب الترجمة والكتب المترجمة، ولذلك فقد أقدمت رغم أنني غير متخصص على ترجمة كتابين أتعباني كثيراً وأشعر بالرضا عنهما كثيراً أيضاً، ومن هذا المنطلق فإنني أقرأ الكتب المترجمة بعين الناقد لا بعين القاريء، معياري في الحكم على جودة الترجمة هو مدى شعوري بأن يبدو الكتاب لي وكأنه كتب بالعربية وليس بلغته الأم، ولذلك أشعر بالأسى على الكثير من الترجمات التي يعج بها سوق الكتاب والنشر في مصر والدول العربية، أفضل تعبير عن ذلك، ولا تؤاخذني في الوصف، هو تعبير «سلق البيض»، لا جودة ولا تجويد، لدرجة أنني أحياناً أشعر أن الترجمة ليست سوى ترجمة جوجلية، بمعنى أن المترجم يضع النص على محرك جوجل، ويخرجه بالعربي بكل ما في ذلك من ركاكة، وسوء ترجمة وسوء تعبير.. وسوء أخلاق من المترجم طبعاً!
أذكر أنني سعيت سعياً حثيثاً للحصول على كتاب لهنري كيسنجر صدر بعنوان «الدبلوماسية» وبعد أن سررت بالحصول عليه عن دار الأهلية للنشر الأردنية شعرت أنني ابتليت بنكبة، فقد كرّهتني الترجمة في الكتاب، وفي «كيسنجر» نفسه الذي أكرهه من الأصل.
لكن مستوى الأسى يكون أكثر حدة وقسوة عندما تمتد الأزمة إلى معقل الترجمة، المركز القومي للترجمة، هذا المركز الذي يعمل في هدوء ويستحق أن نرفع له ألف قبعة، حيث يمثل كنزاً ثقافياً بما قام على تقديمه للقاريء العربي من ذخائر الثقافة العالمية، غير أن الصورة من قريب تكشف عن أن هناك حرصاً على الكم أكثر من الكيف، فلابد لو كان لديك غيرة على هذا الصرح أن تشعر بالحزن من أن تمتليء كتبه بالأخطاء في الترجمة، حتى تبدو لك وكأن هذه الكتب لم تمر على مراجع أو على مصحح، رغم أن اسميهما يتصدران غلاف الكتاب ومؤخرته!
فقد صدر عن المركز مؤخراً كتاب من جزءين هو «شروق الإمبراطورية البريطانية وغروبها» وهو يوازي في أهميته كتاب جيبون عن «اضمحلال الامبراطورية الرومانية وسقوطها» ويحاكيه، وبعد أن حصلت على الجزءين وبدأت في قراءتهما لم يعد لي من هم سوى التصحيح والتصحيح فقط.. معقولة! كتاب بهذه الأهمية يصدر بهذا الشكل من الأخطاء، وإذا كان هناك أفلام فضائحية، فإن ترجمة الكتاب فضائحية، وأنا مسئول عما أقول، المجال ينأى عن ذكر أمثلة ونحتاج مساحة بحجم صفحات الجريدة كاملة، ولكن كأمثلة نشير إلى أن المترجم يذكر في صفحة 108 تلك العبارة الغامضة: ويبدو أنه كان يوازن لكي «يطفيء» تجارة دولته المتوسعة، يعني يطفيء أية تجارة.. لا أدري! وفي صفحة 136 يكتب: وعادت مانيلا لإسبانيا مقابل فدية وحصلت على لقب «بعض الأرض» غرب المسيسيبي، دون أن يوضح لنا ما هو «بعض الأرض» ذلك الذي يصلح لقباً!! أما في صفحة 139 فيذكر المترجم أن الأسطول الفرنسي تغير جسمانياً! أي والله! الغريب والمثير للدهشة أن المترجم أستاذ تاريخ بالجامعة والمراجع كذلك! والسيرة الذاتية لكل واحد منهما تحتل صفحة كاملة من صفحات الكتاب! ولو أن هناك احترامًا للقاريء لوجب أن يعدم الكتاب– وليس مترجميه بالطبع- في ميدان عام!
أما كتاب تاريخ الفلسفة تلك الموسوعة الهائلة التي يحق للمركز أن يفخر بإصدار ترجمتها العربية، فإن جزأه الثاني المجلد الأول، احتشد بالأخطاء التي تسيء إلى الفلسفة وإلى المركز وهى أخطاء بالجملة تدفعك دفعًا لعدم قراءة بقية الأجزاء!
أما كتاب «الصدام بين الشرق والغرب»، فتشعر أن مترجمه ليس له علاقة بالعرب، رغم أنه يقدم كتاباً للقراء العرب، فالأسماء التي يقدمها ليس لها علاقة بماهياتها الحقيقية! فالخوارج عند المترجم هم «خريجين»، وطولكرم لديه هي «تولكاريم» وصحراء النقب أصبحت بقدرة قادر صحراء النجف! وبحيرة طبرية أصبحت «تبرايد»، أما المقولة الخالدة لهيردوت بأن مصر هبة النيل فقد أصبحت مصر هي عطاء من النيل! وأما جبهة الإنقاذ في الجزائر فقد أصبح اسمها الجبهة الإسلامية للخلاص، ورابطة العالم الإسلامي أصبح اسمها الرابطة الإسلامية العالمية! وأما قاعدة العديد في قطر فقد أصبح اسمها «العواريد»!! أما الشِيعة العرب فهم خط خامس لإيران، في حين أن أي طفل لا يمكن له أن يخطيء في وصفهم بطابور خامس! أما اليهود فقد كانوا يسعون لإقامة «بيت وطني» وليس وطنًا قوميًا كما هو متعارف عليه!
تحضرني هنا تلك العبارة البليغة للمفكر المغربي عبدالله العروي في تعليقه على أخطاء المترجمين العرب حين يقول إن المترجم يبدو أنه يتناول القلم باليمنى والكتاب الذي يريد تعريبه باليسرى مكتفياً بما في ذهنه من مفاهيم ومفردات، وإذا ما خانته الذاكرة عاد إلى المنهل أو المورد، مشيراً– العروي- إلى أنه في ترجمة كتابه الذي صدر بالفرنسية «الأيديولوجية العربية المعاصرة» أحصى للمترجم ما لا يقل عن 145 خطأ منها أخطاء قلبت المعنى الأصلي، حتى أنه يذكر أن ترجمة كتابه للعربية حملت ألغازاً لم يستطع هو نفسه أن يفهمها!! مما اضطره إلى القيام على ترجمة الكتاب بنفسه تصحيحاً لمفاهيم خاطئة غرستها الترجمة غير الأمينة وغير السليمة!
إنها عقلية الاستسهال وعدم التجويد التي تمثل ملمحاً من ملامح منهجنا ليس في الترجمة فقط وإنما في الحياة بشكل عام.. وتلك كارثة أخرى!!
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض