رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د.عبد السند يمامة
رئيس مجلس التحرير
سامي أبو العز
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د.عبد السند يمامة
رئيس مجلس التحرير
سامي أبو العز
رئيس التحرير
ياسر شورى

أوراق مسافرة

أواصل معكم ما بدأته من قصة ألم.. ألمى وألم عشرات الآلاف من المرضى الذين يدفعهم حظهم العاثر وضيق ذات اليد ليقصدوا مستشفيات التأمين الصحى فى بلدنا، تلك المستشفيات التى غابت عنها كل أبجديات الرعاية الصحية الحقيقية وأبجديات الإنسانية، وتحول معظم من فيها إلى حجر أصم دون مشاعر حقيقية، وكأنهم يؤدون أدواراً مجبرين عليها، فلا مراعاة لمشاعر مريض يمزق أنين الوجع أى جزء من جسده، ولا معاملة طيبة، ولا حتى القيام بالواجب الطبى المطلوب منهم، المرضى كثر والأطباء قلة.. والممرضات بلا خبرة، وغرف الكشف بشعة، والأدوات الطبية رديئة، والأدوية محدودة وغير متوافرة، ومن يقصدها لجراحة أو علاج طويل يخوض رحلة عذاب، وعندما قصدت مستشفى التأمين الصحى 6 أكتوبر بالدقى خرجت منها بتلك التجربة اللاإنسانية والتى تؤكد أن التنمية فى البشر أهم من التنمية فى الحجر.

فحينما رفضت الممرضة المسنة «جيهان» بتكشيرة وجهها وتسلطها إدراجى فى قائمة المرضى لأفوز بشرف المثول بين يدى الطبيب، رغم أن الساعة لم تتجاوز العاشرة صباحاً، وقالت «استكفينا بـ27 مريضاً» ورفضت وساطة الممرضة الصغيرة الطيبة «سحر»، وأحرجتها وأحرجتنى، وطردنى الطبيب من الغرفة التى كان عاكفاً فيها على «تسويد» صف من الملفات، فى وقت مفترض أن يكون فيه منشغلاً بإجراء الفحص الطبى على المرضى، فيما تكدس المرضى فى قسم العظام على غرار الأقسام الأخرى، ومنهم من افترش الأرض الباردة، ومنهم من استند على الجدران فى ألم لأن أطباء لم يحضروا وآخرين مختفون فى مهام تخصهم.

عدت مجدداً إلى الممرضة «سحر» لأشكرها على مساعدتها رغم أن النتيجة صفر، فقالت لى حاولى مرة أخرى مع ممرضة فى الجانب الآخر تدعى «شيماء»، فتعلقت مجدداً بالأمل خاصة مع تزايد شعورى بألم الانزلاق بالرقبة وبفقرات الظهر، توجهت للجانب الآخر، وأنا أنادى على «الشيماء» ولم أجد رداً، كانت هناك غرفة للعلاج الطبيعى بأجهزتها الرديئة وسريرها ذى الفراش القذر، وكان مستلقياً على السرير رجل فى منتصف العمر، لمحته شبه عارٍ وقد أسلم ظهره للبرد فى انتظار الممرضة «لتحن» عليه وتبدأ جلسة العلاج، فيما صف طويل متكدس أمام الباب المفتوح للغرفة يتفرجون على الرجل شبه العارى المنتظر رصاصة الرحمة، وفى انتظار دورهم ليخوضوا جلسة العذاب.. أقصد العلاج ويبدو أن الممرضة نسيته وذهبت لتناول ساندويتش الفول والشاى، مرضى يستندون على عكاز بسبب كسور وانزلاقات وهم يحملقون فى غرفة العلاج الطبيعى المفتوحة، فيما أقارب الرجل شبه العارى يجولون الأروقة بحثاً عن الممرضة التى «فص ملح وذاب»، صرخ فى أحدهم وقد لمحنى ألتقط الصور خلسة بهاتفى: «بتصورى إيه؟ كلكم بتعملوا كده.. تصورا وتكتبوا ولا حد بيسمع ولا بيقرأ، مش بناخد غير الفضايح أن صورنا بتطلع واحنا كده متبدهلين»، كنت قد قررت التخلى عن دور المريض والعودة لدورى الصحفى.

علت الهمهمات، وانتشر رفض التصوير بين المرضى الجالسين على الأرض والواقفين فى تأفف وألم، بادرت إحدى المنتقبات بالجرى خلفى وقالت لى فى غضب: امسحى الصور.. قلت لها باسمة: حتى لو كنت صورتك محدش هيعرفك أصلاً.. تنبهت لكلماتى فعادت أدراجها، استوقفنى رجل يناهز الستين من عمره يرتدى جلباباً متهالكاً وشالاً من الصوف قد اختفى لونه تقريباً قال: لو عايزة تعرفى المهازل اللى بتحصل هنا تعالى أحكي لك.. وللحديث بقية.