ما أشبه ما يحدث فى الحياة السياسية بلعبة الشطرنج؛ فجميعنا شاهد مراراً وتكراراً كيفية تبدل المواقف السياسية كتبدل القطع على رقعة الشطرنج بسبب الصراعات السياسية. غير أن القطع في رقعة الشطرنج تحكمها قواعد وضوابط طيلة المقابلة، في حين أن الأشخاص في المجال السياسي يمكن أن يغيروا قواعد تحركاتهم ومواقفهم كما لو أننا أعطينا للفيل الحق في التحرك بحركة الحصان أو العكس كما ورد في كتاب (عندما تقفز الفيلة).
ولعل ما حدث فى سوريا خير دليل على ذلك ففي بداية الحرب السورية، صالت وجالت السعودية مؤكدة أن روسيا ستندم على سياستها في سوريا والمنطقة؛ وبعد سبعة أعوام على الحرب في سوريا تراجعت السعودية؛ وظهرت انفراجات أكثر في الأزمة السورية وبات من يقول إن هناك اتجاهاًت لإنهاء الحرب على اليمن؛ وبدأت العلاقات الثنائية السعودية الروسية تأخذ منحى إيجابياً.
وهذا التقارب السعودى الروسى يعمق فكرة التغيرات الاستراتيجية لصالح الروس فى المنطقة؛ من حيث إنّها تضرِب في الخارِطة التقليدية للعلاقات الدولية في الشرق الأوسط؛ ومن الناحية الجيوسياسية يعيد تشكيل التحالفات وتغيير التحالفات فى المنطقة؛ وتُعيد تعريف العلاقات الدولية في الشرق الأوسط. أن ما حدث فى الأونة الأخيرة يؤكد أن الروس ملوك الشطرنج السياسى.
وفى الحقيقة إن هذا التقارب السعودى الروسى ليس وليد تلك الزيارة الأخيرة ولكن هناك زيارتين سرّيتين وأربع زيارات مُعلَنة قام بهما الأمير «بندر بن سلطان» إلى (روسيا)، الى جانب أن النفط مازال يستخدم كسِلاح في وجه (روسيا) و(إيران) في ظلّ حرب كونية كانت (السعودية) رأس حربة فيها. مع الوضع فى الحسبان أن (روسيا) القوية تعود إلى المنطقة والتي لا يمكن تجاوزها أو أنكار قوتها وتحكمها فى العديد من أوراق اللعبة.
وبالطبع إنّ التعاون بين (موسكو) و(الرياض) من خلال الاتفاق على منظومة الدفاع الصاروخية S-400؛ ومنظومات الصواريخ المُضادة للدبابات لعبة معلم من بوتين؛ تؤكد أنه قارب على قول «كش ملك» للتواجد الأمريكى فى مناطق كان من الصعب التفكير فى ظهور قطب آخر غير أمريكا بها.
مع الأخذ فى الاعتبار أن الحس السياسي لدى القيادة السعودية الذي يتنبّأ بسيناريوهات مُستقبلية يجعل من المملكة مُهتمّة بصناعة الصواريخ خشية أن تكون الحروب القادمة صراعات صواريخ.
والمملكة تريد تنويع منظومة الصواريخ فى ظل أنّ منظومة صواريخ «ثاد» الأميركية تأخّرت فى الإفراج عنها والموافقة عليها من قِبَل الولايات المتحدة؛ فى الوقت الذى تريد فيه السعودية بقوة الصواريخ الدفاعية التي تُسقِط الصواريخ الباليستية الحاملة لرؤوس نووية؛ إلى جانب إدراك أن تنويع الشراكات الدولية هام لحماية القرار السيادي السعودي. وفى الحقيقة إن الأيام تثبت أن الروس يعودون خطوة خطوة إلى المنطقة؛ ولكن بقوة وتمكن.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض