خارج السطر
تمنى الكاتب الفذ جهاد الخازن فى مقال له قبل أيام نشرته الحياة اللندنية أن تنجح مصر فى دحر الإرهاب والقضاء عليه نهائياً.
بالمواجهة، بالتكتل، بالاصطفاف، بالقانون، بالحسم، بالحزم، وبالفكر أيضاً. المعركة مع قوى الظلام تستلزم نوراً كاشفاً، وفكراً داحضاً، وردوداً بليغة تعتمد على العلم والبحث والتقصى. إن الرصاص وحده لا يحسم معاركنا مع الإرهاب، ولاشك أننا نحتاج بشدة لنكش أدمغة الأيديولوجيات المُنتجة للعنف.
أقول ذلك وبين يدى رسالة دكتوراه رائعة لزميلنا المجتهد الكاتب الصحفى أسامة السعيد حول صورة الإسلام السياسى فى الصحافة العربية بعد ثورات الربيع العربى 2011. ترسم الدراسة ضفاف التحول التاريخى فى رؤى المجتمع فى مصر وليبيا وتونس بشأن الإسلام السياسى. كيف اختطفت جماعات التأسلم انتفاضات المُجتمعات الباحثة عن حيوات فضلى لتُحوّل مسار الثورات إلى واقع أشد بؤساً مما كانت عليه تلك المجتمعات قبيل الثورة؟
أسامة الذى يخطو فى بلاط صاحبة الجلالة منذ خمسة عشر عاماً يرى أن بلاد ما يعرف بالربيع العربى استسلمت لاختزال التغيير فى تحول سياسى من نظام إلى آخر، لا يختلفان فى الجوهر.
وتكشف الرسالة عن نتائج مذهلة منها مثلاً أن المرأة كانت المتضرر الأول من وصول الإسلاميين إلى سدة الحكم، وأن قوى التأسلم ارتبطت بشكل رئيسى بالعنف وكراهية المعارضين وخلط الدين بالسياسة، فضلاً عن عدم وجود أى برامج حقيقية للتنمية الاقتصادية والاجتماعية والاقتصار على رفع الشعارات الرنانة. وكانت أخطر النتائج متمثلة فى تصور الغالبية أن تيارات التأسلم على استعداد للتحالف مع أطراف دولية للبقاء فى السلطة.
وطبقاً لتحليل تعليقات قراء المواقع الإلكترونية فقد جاء وصف السلفيين بأنهم «متعصبون وإرهابيون» بنسبة 46.8٪، بينما وصفت 64.8٪ من التعليقات جماعة «الإخوان المسلمين» بأنهم «متعصبون»، فيما حصلت الجماعة الإسلامية على ٧٠٪ من التعليقات السلبية.
وتكشف نتائج الدراسة وجود أزمة حقيقية فيما يوصف بـ«مشروع الإسلام السياسى»، فقد بنت القوى الإسلامية العربية شرعية وجودها فى المرحلة التى سبقت الثورات، من خلال تأكيدها امتلاك مشروع إسلامى بديل على كافة المستويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، إلا أن نسق الأداء الذى قدمته تلك القوى كشف غياب واضح لهذا المشروع، ولم يزد الأمر عن رؤية خطابية لا تعتمد على تأصيل فكرى.
الخلاصة التى أتفهمها من رسالة أسامة السعيد أن جماعات التأسلم نصابون يبيعون كلاماً ويتاجرون بكلام الله من أجل السُلطة والحُكم. تلك هى الحقيقة الراسخة فى كُل مّن رفع مصحفه فى ميدان السياسة وهتف «الإسلام هو الحل» بينما واقعه يقول إنه هو وحده الإسلام وأن كل مَن هُم غيره كارهين للدين، مُعادين لرب السماء.
العلم نور، وكلُ إضافة فكرية ومعرفية هى قنديل مُضىء فى دروب الظلام. لذا يستحق الكاتب والزميل أسامة السعيد أكثر من تحية. وتصورى أننا لانزال فى حاجة إلى مزيد من الدراسات والأبحاث والمناقشات والمحاورات والعصف الذهنى فى موضوع التأسلم السياسى، فهو أكبر خطر يُهدد عالمنا، بل ويُهدد الإسلام نفسه.
والله أعلم.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض