على فكرة
إذا لم يكن للرئيس السيسى أى فضيلة كما يزعم بعض معارضيه من غير أصحاب الغرض والمرض، فيكفيه إنجازًا الدور الذى قام به فى الثلاثين من يونيو قبل نحو أربعة أعوام، حين اتخذ قرارًا جسورًا كقائد للجيش، بمساندة ثورة الشعب المصرى ضد حكم جماعة الإخوان، ورفضا لسعيها الدءوب لتغيير هوية الشعب المصرى المتدين المعتدل، المتسامح والمحب للحياة والمنفتح على الآخر، الذى احتضن عبر قرون أجناسًا وشعوبًا وثقافات وديانات، وأثر فيها وتأثر بها ولم يفقد أبدًا بوصلة اعتداله ووسطية نظرته للدين والدنيا، ولم يعرف للعنف دورًا فى الصراع السياسى فى تاريخه المعاصر إلا مع بروز جماعة الإخوان فى المشهد السياسى فى مصر فى ثلاثينيات القرن الماضى، والذى مهد لتصاعد تيار الإسلام السياسى من قلب عباءتها حين منح قادتها ومنظروها منذ حسن البنا وسيد قطب مرورًا بشكرى مصطفى ووصولا لمحمد كمال مبررًا فقهيًا ودينيًا لاستخدام العنف والإهاب.
واليوم السبت يبدأ العام الخامس لثورة الثلاثين من يونيو، التى قدمت للعالم أجمع أدلة قاطعة على أن خلط الدين بالسياسة مآله حروب أهلية طائفية ومذهبية، وخراب للدول وانهيار لمؤسساتها، وما بات يجرى فى دول المنطقة خير شاهد على صحة تلك الأدلة. وليس استحضار التجربة التونسية كنموذج لإمكانية دمج الإخوان فى النظام السياسى، كما تفعل بعض مراكز البحوث الغربية ذات التمويل الإخوانى السخى، إلا شهادة زور تتعمد تجاهل التعثر والتراجع والعنف المجتمعى الذى يسود تونس، منذ تصدر التيار الإسلامى مشهد ثورتها وسطا عليها!
أربعة أعوام من ثورة يونيو استعاد خلالها المصريون أمنهم واستقرارهم، بعد أن استردت الشرطة عافيتها، بفشل مخطط القضاء عليها وتحطيم معنويات أفرادها وبث الفرقة بينها وبين المواطنين، بأخطاء تبدو أحيانا متعمدة وأخرى تفرط فى استخدام القوة ثأرًا أو غباوة، فتحقق للمتربصين بها أحلى أمانيهم، على طريقة المثل القائل "من دقنه وافتله"!
أربعة أعوام تحقق الحرب على الإرهاب كل يوم انتصارات هائلة، تؤكد لمن يستصغرون الإرهاب ويقللون من مخاطره ويوغلون بذلك فى تبريره، أن الجيش أنقذ مصر من فساد فاجر معدوم الضمير، نهب ثرواتها وحطم قطاعها العام لصالح حفنة من مافيا الاحتكار، حين انخرط بقوة وعزيمة وكفاءة واقتدار فى شتى مجالات الخدمة المدنية –كما تفعل معظم جيوش العالم –فى تناغم تام مع دوره الأصيل فى حماية حدود الوطن ضمان سلامة أراضيه.
أربعة أعوام استعادت مصر خلالها علاقتها بدول العالم وبمحيطها العربى والإفريقى بعد عزلة قاتلة، بحكمة بارزة فى قيادة سياستها الخارجية.
لكن المؤكد أن هذه الانجازات وغيرها، لم يعد ممكنا أن تنمو وتستمر، إذا لم نتعلم من تجاربنا السابقة، التى تؤكد أن الإجراءات الجزئية المتفرقة للحماية الاجتماعية تظل قاصرة عن تحقيق العدالة. فمعظم السياسات الاقتصادية والاجتماعية التى تتفق مع برامج الاصلاح التى يتمسك بها صندوق النقد الدولى ليست عادلة، وتؤدى لما هو حاصل الآن من تدهور سريع فى مستوى معيشة الطبقات الشعبية وشرائح عريضة من الطبقة الوسطى، لعجز القرار السياسى عن توزيع أعباء تلك السياسات حسب القدرة على تحملها، بالتقشف والتخلص من الإسراف الحكومى البذخى، والجدية فى تحصيل الضرائب، والمكافحة الجادة للتهرب من دفعها، ورفع الضريبة على المتاجرة بالأراضى والمضاربة فى العقارات، وحفز الاستثمارات المحلية والاجنبية على النشاط فى مجالى الزراعة والصناعة الثقيلة، بدلا من التضخم الحاصل فى مجال الاستثمار العقارى الفاخر، وحماية الصناعة المصرية من المنافسة الأجنبية، فضلا عن التخلص من الوسطاء والمحتكرين.
وبطبيعة الحال، فإن تحقيق ذلك يحتاج إرادة سياسية حاسمة ودعما شعبيا وإيمانا حقيقيا بأن الديمقراطية لا تتحقق سوى بحياة حزبية تدعمها الدولة معنويا وماديًا، لأن البديل عن ذلك هو الفراغ الذى سبق أن ملأه الإخوان، فى عهود تهميش التجربة الحزبية وتجاهلها.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض