عندما يزداد الفقراء فقراً والأثرياء ثراء، ويتوحش الأقوياء على حساب الضعفاء فى أى دولة بالعالم، فاعلم أن النظام السياسى والاقتصادى والاجتماعى بهذه الدولة فاشل مهما ادعينا أو توارينا وراء الكلمات المنمقة لنخفى بشاعة الحقيقة خوفاً أو تحسباً من ردة فعل النظام ومؤسساته الأمنية والسرية القمعية، وتناولت فى مقالى الماضى كارثة التهرب الضريبى فى مصر من قبل الأثرياء أو الحيتان ممن أثروا من الباطل ومن دماء الشعب، أصحاب المليارات الذين لو عمر أحدهم مائة عام هم وأبناؤهم وأحفاد أحفادهم وهم يلتهمون أوراقهم المالية بدلاً من الطعام، لما نفدت أموالهم، لكنهم رغم ذلك يستحلون مال الدولة والشعب، ويواصلون كنز الأموال والتهرب الضريبى بإعلان إفلاس وهمى لمؤسساتهم، وبتقديم دفاتر بحسابات زائفة بمساعدة فطاحل المحاسبين والخبراء، ويهربون أموالهم للخارج فى حسابات سرية بالبنوك، ولا يتذكرون لحظة حساب الله لهم، ولا يخافون حتى حساب القانون أو غضبة الشعب الفقير فى أغلبه.
فى الدول التى يحترم فيها شعبها بلا استثناء القانون، ويلمسون على أرض الواقع هيبة الدولة وقوة سلطاتها التنفيذية التى تكرس هذه الهيبة وتحميها، هناك لا يحدث أى نوع من التهرب الضريبى لوجود نظام محاسبات محكم على دخل كل فرد من أفراد الشعب كبر مقامه أو صغر، ففى بلدان أوروبا على سبيل المثال، لكل شخص ما إن يبلغ 18 سنة ملف للإقرار الضريبى، مسجل رسمياً وبصورة قانونية، وعلى المواطن الالتزام بشفافية بتقدم الإقرار حول دخله الشهرى دون تلاعب وكذا أعماله وممتلكاته، وترسل الدولة رسائل شخصية لكل المواطنين أو العائلات بلا استثناء لتقديم إقراراتها الضريبية، وهناك رقابة صارمة للتأكد من مصداقية ما ورد بالإقرارات لتحديد قيمة الضريبة عن الدخل والأعمال، بعد استقطاع المطلوب من نفقاته على نفسه وأسرته، كل شخص حسب مستواه الاجتماعى، ومن يحاول التلاعب يتم ضبطه بسرعة، فتطالبه الدولة بإرجاع الفارق المالى وسداد فارق الضريبة ومن يواصل التلاعب يتم الحجز على بيته وممتلكاته، وتوجيه معظم الضرائب المحصلة لمساعدة الفقراء مباشرة بمقادير مالية مقبولة كمنح للعاطلين «بدل بطالة» تعادل الحد الأدنى للأجور، أو تقديم ما يعرف بدعم المساعدة لدفع إيجار السكن، أو الحصول على «بطاقات» مجانية أو مخفضة لوسائل النقل والمواصلات، أو تقديم مساعدات أخرى فى أشكال مختلفة تمكنهم من الحصول على أى خدمات تقدمها الدولة مجاناً أو مخفضة، بما فى ذلك الخدمات الصحية، وهذه المساعدات المباشرة وغير المباشرة، تنتشل هؤلاء من خط الفقر إلى حد الكفاية ولا أقل الرفاهية، لضبط التوازنات الاجتماعية وتقليص الفجوة بين الأغنياء والفقراء، ويعلم كل مواطن أن ما يدفعه من ضرائب يعود إليه بصورة مباشرة وغير مباشرة سواء بعلاج مشاكل الفقر وبالتالى الحد من الجريمة المترتبة على الفقر، بناء المستشفيات والمدارس والطرق ودعم المحتاجين والأرامل وذوى الاحتياجات الخاصة.
فى هذه الدول يا سادة جرائم الاستيلاء على المال العام والتهرب الضريبى عقوباتها أشد من عقوبة القتل، لأن من يسرق المال العام فقد عمد إلى قتل شعب بأكمله، وهى بالطبع جريمة أبشع من جريمة قتل شخص واحد أو حتى مجموعة، لهذه الأسباب يعيشون حياة مستقرة سياسياً واقتصادياً واجتماعياً لأن الدولة ضمنت للأغلبية المطلقة من المواطنين حياة كريمة، فإذا اعترتهم أزمة اقتصادية، تتقبل كل فئات الشعب وتتفهم أى إجراءات تقشف أو خفض للدعم، لأنه لدى الجميع قناعة ورضا بوجود عدالة اجتماعية.. وللحديث بقية.