رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د.عبد السند يمامة
رئيس مجلس التحرير
سامي أبو العز
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د.عبد السند يمامة
رئيس مجلس التحرير
سامي أبو العز
رئيس التحرير
ياسر شورى

أوراق مسافرة

دعينى أعاتبك، فعتاب الأحبة وصال.. وأنتِ وصلك دائم كالدماء فى عروقى، دعينى أعاتبك لأنكِ سبب عذابى فى حياتى وصانعة آلامى.. ليس فقط لأنك رحلتِ وكنت لا أزال أحتاج إليكِ.. إلى أصابعك الحنونة لتمسح كسر جبينى، إلى كلماتك المطمئنة لتواسينى بأن القادم أفضل، ليس لأنى فقط أحتاج لحبك الطاهر الأبدى الذى ليس له حدود أو مقابل، لكنى أعاتبك لأنى تعلمت منك أشياء عذبتنى ولا أزال.. أشياء فصلتنى عن زخم هذا العالم المادى المتصارع وجعلتنى أدور فى فلك وحدى مع قلة تعلموا أيضاً من أمهاتهم مثلى.. علمتنى الصدق والصراحة.. فحصدت عداء المنافقين والأفاقين وهم كثر، علمتنى الوفاء والإخلاص، فحصدت ألم الخيانة وقد ضج عالمى بالخيانات، علمتنى الكرم والعطاء.. فصرت مطمعاً وقد كثر الطامعون حولى، علمتنى التضحية وإيثار الآخرين عنى، فاستنزف الآخرون كل شىء منى حتى أحلامى، علمتنى الاعتماد على نفسى فى بناء نفسى وألا ألجأ إلى البشر لمساعدتى وألا أطلب إلا من الله وحده، فسبقنى فى الحياة المتسلقون والمتنطعون على الأبواب، وحصلوا على المناصب دونى، علمتنى بأن القناعة كنز لا يفنى، ففنيت قناعات الآخرين وتكالبوا على الأموال ولم تفن لديهم بل كثرت وتراكمت، واشتروا بها كل شىء.. المراكز.. السلطة.. الضمائر.. حتى حب البشر.

علمتنى التواضع.. وأن من تواضع لله رفعه، فتركت لهم ساحة الكبر أو الغرور بما وهبه الله لى، فتكبرت الأقزام وطالت هامتها واستأسدت عملقة الكبر فيهم، فاعتقدوا أن تواضعى ضعف ورفضى الاستقطاب لحروبهم التافهة.. قلة حيلة، علمتنى الشهامة فخضت حروباً لأجل غيرى ونسيت حربى لأجل نفسى، وحين استعادوا حقوقهم استلبوا حقى.. وحين اشتدت سواعدهم بنبالهم المسمومة رمونى، علمتنى ألا أدخر علماً أو نصيحة، فعلمت منهم ما استطعت، ولما تعلموا الكلام تنكروا لى وبسوء الأحرف هجونى، علمتنى إذا جاء الطوفان أن أجعل من نفسى خشبة أو طوقاً للنجاة لينجو أحبتى، ووجدتهم بلا طوفان يتفننون فى إغراقى.

علمتنى الاستئذان قبل زيارة أحد كما أمرنا الدين، فاخترقوا بكل صفاقة حياتى، واستباحوا أشيائى، وفتحوا كل أبوابى، أمى أعاتبك بكل ما تعلمته منك، لأنك لم تعلمينى كيف أعايش هذا العالم المتحول إلى الأسوأ، كيف أكذب وأنافق، كيف أأكل على كل الموائد، وكيف أعيش لنفسى وأحقق أحلامى وطموحاتى ولو على حطام الآخرين، لا أعرف هل أنت «أنا» الصواب.. أم هم، كل ما أعلمه أنى فى يوم عيدك تؤلمنى بقسوة تلك الأشواك المغروسة بصدرى، أشواك فراقك.. أشواك زهور كنت أهديها إليك ولا أجد الآن من أهديها سوى قبرك، تؤلمنى أشواك ما تعلمته منك.. أمى.. أمهاتنا.. الرائعات.. إنى آسفة.. لا تصدقى أنى غاضبة أو غاضبون منك.. لا تصدقى أنى أعاتب فيك حسن خلقك الذى ورثته «ورثناه» عنك وتعلمته «تعلمناه» منك، فأنت لم تعدينى لهذه الدنيا.. فقد أعددتنى للآخرة.. وهذا أبقى، وهذا ما ستباهين به الملائكة والخليقة يوم الدين.. يوم يسأل الله كل راعٍ عن رعيته.. أمى ليت كل الأمهات أنت.

أمى منذ رحيلك وأنا أسأل العمر لأن يمضى لألقاكى.. كنت هوائى وأحلامى ومعنى حياتى، خطوط قلمى من حرفك وقدرتى على احتمال فراقك تجاوزت كتاباتى.. فعلاً.. ما أقسى الحياة دونك.

حاشية:

اعتذر عن «قطع» سلسلة مقالاتى «من غير زعل» لمناسبة عيد الأم وسأواصل السلسلة الأسبوع القادم.

[email protected] com