سؤال يتردد بين الحين والآخر حول ما حدث فى المنطقة العربية هل هو «ربيع عربى» أم «خريف عربى»؟ وخاصة أن الأرقام أَصْدَقُ أنْبَاءً مِنَ الكُتُبِ، فالربيع العربى كانت كلفته تقريباً 833 مليار دولار، وأكثر من 1.4 مليون قتيل، وازدادت العمليات الإرهابية بنسبة 4,5 فى المئة ما بين 2002 و2014. وزاد التهميش والفساد وابتعاد الدولة عن هموم الوطن.
وهذا الخراب العربى كان بسبب مكوّنين أحدهما داخلى، والآخر خارجى، الأول هدفه تمهيد الأرض لتكون خصبة لهذه المشاكل التى تحدث عندنا فى البلدان العربية، والثانى يموِّل ويخطّط بأسلوب جيو - استراتيجى، وخاصة أن الذين خرجوا إلى الشارع دفعهم الإقصاء الكبير لهم فى كل المجالات، الى جانب شعورهم بالقهر والوجع والغضب، خرجوا بسبب البطالة، الخصخصة واحتكار الثروات، ولكن للأسف كانت هناك أجندة أُخرى تستغِلّ كلّ هذا الوجع العربى، وسقطت بعض الدول العربية فى براثن الإسلام السياسى، والحروب الأهلية وتحولت المنطقة العربية بأكملها الى ساحة صراع. ولم ينتبه من قاموا بهذا الربيع أن الناس يحتاجون ليس فقط الديمقراطية وتعزيزها، والحُكم الرشيد، ولكن قبل ذلك الى السكن اللائِق، وفُرَص عَمل، والخدمات كالكهرباء والمياه.
المأساة تبدو أكثر وضوحاً فى «سوريا» التى تسبب القتال فيها فى قتل أكثر من ربع مليون إنسان وجرح ما يزيد على مليونى آخرين. ووصل عدد اللاجئين إلى أربعة ملايين وثمانمائة ألف نسمة، وعدد النازحين داخلياً إلى سبعة ملايين وستمائة ألف نسمة، والتهمت الحرب ما يُعادل 38% من الناتج المحلّى الإجمالى للبلاد فى العام 2013 فقط، والأرقام تتزايد. فالمشكلة السورية ليست مُشكلة فقط الذين خرجوا من «سوريا» إنما هى مُشكلة أيضاً فى الداخل السورى والأزمة السورية قدمت أكبر موجة نزوح ديموجرافى فى المنطقة منذ تشريد الفلسطينيين عام 1948. وإذا لم تُحَلّ المُشكلة السورية فى خلال السنوات القادمة, هذا العدد الذى نراه سيتضاعف إلى حدٍّ كبير، وتلك الأزمة جعلت «لبنان» و«الأردن» فى وضعٍ هشّ وحرِج.
وفى حالة انتهاء الحرب هناك كارثة ستكمن فى التعليم والصحة وإعادة بناء وطن وإعادة بناء إنسان سورى. والكارثة الأخطر كانت فى شباب الوطن العربى فمجموعات منهم جاءوا إلى «سوريا» وقاتلوا، وربما جزء أساسى منهم جاء بقناعة أو بغسل عقولهم لأنهم تبنوا تيّارات إرهابية وتكفيرية أعطتهم قناعة دينية بالقتال، أولئك الشباب مرّوا بتجربة سلفية، ورؤية أيديولوجية دفعتهم للذهاب إلى «سوريا» و«العراق» للقتال، ومجموعة أخرى يُمكن أن نُسمّيهم بـ «أسلمة الراديكالية» وهم من ينتمون إلى الأحياء الشعبية، وطاقة العُنف عندهم والتفكّك المُجتمعى الذى يعيشون فيه والانحراف والتهميش ذهب بهم إلى بؤر التوتّر، ومنحوا الشرعية لعنفهم المُجتمعى فى بعض الدول الأُخرى التى لا توجد عندها رقابة فى الموضوع الدينى.
الشباب طبعاً تأثّر واتّجه إلى هذا الموضوع الذى لا رقابة عليه، ومن هنا نحن نعرِف أنّ الدين ليس إرهاباً لكن استخدام الدين من قبل أجندة دولية وبعض الدول سلّمت الإسلام السياسى الحُكم فى هذه الدول، ورأينا أنه عندما أصبحت السُلطة فى يده ذهب فى اتجاه أكثر قمعاً وأكثر إرهاباً، والإسلام السياسى الذى نتحدّث عنه فى هذه الدول ليس لديه الوطنية الكافية، هو جزء من منظومة الإسلام السياسى الموجود فى العالم. ومع كل ما سبق إلا أن المُشكلة التى نُحذِّر منها بشكل كبير هى التأثير الخطير على الأطفال فى المنطقة العربية، فربما هذه النزاعات تستمرّ إلى عقود قادمة. الطفل الذى لا يذهب إلى المدرسة، والذى لا يلبس جيّداً، كلّ هذه الأشياء ستجعل من العالم العربى فى المُستقبل غير قادر على المنافسة العالمية ولا يكون له وضع يمكّنه من أن يبنى اقتصادا قويا يتمكّن من الوقوف فى مواجهة الدول الأُخرى فى العالم.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض