على فكرة
بثت إحدى قنوات جماعة الإخوان الأربعاء الماضى، تسريبات مهدت لها بحملة دعائية واسعة زعمت أنها مكالمات هاتفية جرت بين وزير الخارجية سامح شكرى وبين الرئيس السيسى، وحشدت لتقديمها والتعليق عليها أحد مقدمى برامجها، فضلاً عن عدد من المعلقين ينتمون للجماعة ولغيرها. ولا تزيد التسريبات على خمس مكالمات هاتفية قصيرة جداً، صادرة من القاهرة وفيينا وواشنطن، وهى تقتصر على صوت الوزير سامح شكرى فقط، دون سماع صوت الطرف الذى يتحدث إليه.
ولا يخرج موضوع المكالمات الخمس عن تقارير موجزة، وبعض الاقتراحات يقدمها الوزير شكرى لرئيس الجمهورية. وقد حاول مقدم الحلقة أن يستنطق منها أية معلومة تنطوى على سر من الأسرار، ففشل فى ذلك فشلاً ذريعاً، حتى إن بعض من استضافهم لم يوافقوه على ما أراد أن يلوى عنق المكالمات لكى تقوله.
وعلى سبيل المثال، اقترح الوزير شكرى على الرئيس السيسى أن تقاطع مصر مؤتمر لوزان الخاص بالقضية السورية، بعد أن أذاعت طهران أنها هى التى اشترطت دعوة مصر للمؤتمر الذى عارضت واشنطن دعوتها إليه، واستند الوزير فى ذلك إلى أن الدعوة وصلت مصر متأخرة، وأن حضورها بضغط إيرانى يستهدف الإيقاع بين مصر والسعودية، وتوسيع نقاط التوتر بينهما. وأضاف الوزير شكرى أن هناك وجهة نظر أخرى ترى أن مصر تستفيد من المشاركة فى كل المؤتمرات ذات الصلة بالمنطقة. وبعد مناقشة بين الوزير والرئيس استقر الرأى على أن تشارك مصر فى مؤتمر لوزان، وهو ما جزمت القناة أن ذلك تم إرضاء للإيرانيين، وانحيازاً إليهم ضد السعودية، فى حين يمكن استنتاج ما قاله الرئيس بسهولة من ردود الوزير شكرى. فالرئيس ذكّر الوزير بسياسة مصر الثابتة تجاه المسألة السورية، وبدا من الردود أنه فضل المشاركة فى المؤتمر على المقاطعة، مشترطاً أن تعلن واشنطن أنها هى الجهة التى دعت مصر للحضور، ومؤكداً ضرورة إبداء وجهة نظر مصر دون المساس بأى طرف من الأطراف، أو السماح له باستغلال الموقف المصرى فى غير موضعه.
وبرغم ما ظهر من المكالمات أن الوزير شكرى درس ما يطرحه على الرئيس، داخل هيئات وزارة الخارجية وخارجها، وقدم للرئيس خلاصة تلك الدراسة، فلم تكف القناة عن تكرار أن سياسة مصر الخارجية ينفرد برسمها رجل واحد هو رئيس الجمهورية!
تكشف التسريبات بوضوح مدى عقلانية واتزان السياسة الخارجية المصرية، وانطلاقها من رؤى تسعى للحفاظ على المصالح العربية المشتركة، وتتسم بحكمة أثبتت التجارب وخاصة فى الأزمة السورية، أن رأيها فيها كان صائباً، إذ انتهى الجميع إلى تبنى ما كانت تطالب به منذ بدايتها. لكن الجوهر الرئيسى لما كشفت عنه هذه التسريبات هو أن جماعة الإخوان تعانى مع إعلامها من حالة إفلاس وخواء وغباء دفعها لإذاعة تلك المكالمات التى تشكل إشادة بالسياسة الخارجية المصرية!
أما ما لا يجب أن تصمت عليه الأجهزة المعنية فى مصر فهو معرفة الوسيلة التى تم بها التنصت بهذه السهولة على اتصالات وزير الخارجية الهاتفية، وتحديد الجهة التى قامت بها، لكى تصبح هذه الواقعة هى الأولى والأخيرة من نوعها.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض