بدون رتوش
من الصعب الحكم على ترامب وسياساته من الآن، فالوقت ما زال مبكراً، ومن الصعب أيضاً أخذ ما قاله خلال الحملة الانتخابية على أنه يمثل الخطوط العريضة التى سيلتزم بها، ولعل الانطباع الأول الذى عكسه هو محاربة الارهاب كأولوية، ومن ثم جرى الحكم عليه على أنه أفضل من أوباما، ولهذا رأيناه وقد أخذ يجرد نفسه من سياسات أوباما بل ويعمل جاهداً على طمسها، وبالتالى كان أول قرار يتخذه بعد تسلمه لمهام الرئاسة هو إلغاء التأمين الصحى، واتبع الصراحة نهجاً حيال سياساته فى المنطقة عندما قال: «إذا كان هناك من يودون مظلة الحماية الأمريكية فيجب عليهم دفع الثمن الفورى».
«دونالد ترامب» يثير الشكوك والمخاوف معاً، فهو سريع الانفعال، حاد اللهجة يعمد إلى تصعيد المواقف، ولقد تجسد ذلك فى ردوده الحادة وافتقاده للياقة، وما يخشاه الكثيرون هو أسلوبه التصعيدى ونبرته الشوفونية وغروره القاتل، ولهذا مضى الكثيرون يشككون فى قدراته على حكم أمريكا ويرون أنه لا يصلح لإدارة الدولة، ولا أدل على ذلك من التظاهرات وأشكال الاحتجاج المتصاعدة ضده فى أمريكا وخارجها بدءاً بتحركات مدنية ومروراً بجزء من النخبة العسكرية والاستخبارات وانتهاء بالإعلام والفن والقائمين على الشركات الأمريكية العملاقة ممن يرون أن الرجل لا يصلح لحكم أمريكا وأن استمراره يشكل تهديداً لمنظومة القيم التى كان لها الفضل فى رفعة الشأن الأمريكى.
بدا ترامب وكأنه عازم على تغيير أطر كثيرة فى السياسة الأمريكية، وأول تحركاته تمثلت فى انتقاده لأجهزة المخابرات، وكان محقاً فى ذلك لا سيما وقد وضح كيف أن هذا الجهاز قد تورط فى ارتكاب أخطاء جسيمة فى العديد من القضايا الدولية ويتصدرها قضايا الشرق الأوسط، وأولها ما تم الإقرار به من داخل المؤسسة الرسمية عندما صرح مدير المخابرات الأمريكية «جون برينان» بشأن ما سمى بالربيع العربى، حيث أشار إلى أن إدارة أوباما أخطأت فى تقييم انعكاسات أحداثها عندما تطلعت إلى أن تؤدى إلى ازدهار الديمقراطية وهو ما لم يحدث عوضاً عن الأخطاء الجسيمة التى ارتكبتها أمريكا فى حق العراق وليبيا وسوريا، وفى تعاملها مع القاعدة وداعش، ولقد وضحت الخطوط العريضة لسياسته إزاء إيران وجسدتها نظرته العدائية لها وحديثه عن إمكانية إعادة النظر فى الاتفاق النووى الذى وقع معها فى يوليو 2015.
ولا يفوتنا هنا الإشارة إلى أطروحته الاستفزازية فيما يخص القضية الفلسطينية وتوجهاته الحميمية تجاه إسرائيل، خاصة ما يتعلق بحديثه عن نقل السفارة الأمريكية للقدس رغم ما يمثله ذلك من خروج على القانون الدولى وما ينطوى عليه ذلك من تأثيرات مدمرة على عملية السلام المتعثر أصلاً، وإذا أقدم ترامب على هذه الخطوة فستمثل خروجاً عن النهج المعتمد لدى الولايات المتحدة منذ عقود والذى يقضى بعدم المساس بوضع مدينة القدس وتركه إلى حين توصل الجانبان الفلسطينى والإسرائيلى إلى اتفاق بشأنها، وكان مجلس الشيوخ قد تبنى عام 1995 قراراً بأن مدينة القدس عاصمة دولة إسرائيل ولا يجب تقسيمها، ولكن الإدارات المتعاقبة سواء ديمقراطية أم جمهورية قاومت مساعى إسرائيل وقرار مجلس الشيوخ لنقل السفارة إلى القدس والتزمت بسياسة ترك مصير المدينة النهائى للمفاوضات بين الطرفين.
عامة سيكون من الصعب حسم توجهات ترامب من الآن اعتماداً على وعوده الانتخابية، فالعبرة اليوم بالعمل على أرض الواقع وليس من خلال الوعد بالكلمات.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض