أوراق مسافرة
أنا منهم.. أو كنت أزعم وأتمسح بهم وأنا سعيدة قانعة بما قسمه الله لى مثلهم من الستر وفوقها الرضاء بالمقسوم والصبر عليه.. والآن أغادرهم، بل هم يغادرون معى أماكنهم، يترنحون وهم يحاولون التشبث بمكانهم.. بمكانتهم، لكن أيديهم المتشنجة تضعف من عنفوان الضربات الموجعة المتتالية عليها، يسقطون وأسقط معهم، ننزل إلى القاع، قاع كان قبل قليل يوجعنا عن بعد ونمد له يد المساعدة والعطف، والآن صرنا إليه، وزدنا فى أعدادهم، فمن سيشملنا بالعطف سوى رحمة الله، نعم أنا منهم يا سادة.. أنا ابنة الطبقة المتوسطة، التى هربت بالكاد من الفقر، وتتطلع بعين شغوفة طموحة لا حسد فيها أبداً إلى الرفاهية والطبقة الأعلى، ورغم لهاثى فى سنوات الشباب مطبع المشيب.
لست شيوعية يا سادة، ولم أعايش فى وطنى وفقاً لسنوات عمرى بطولة وزعامة الاشتراكية، لكنى عشت مع غيرى على أمل تقريب الفجوة بين الطبقات، وتحقيق العدالة الاجتماعية، وانتشال طبقة الفقراء من براثن الجوع والحاجة والمرض ليصلوا إلينا.. إلى طبقتنا المتوسطة على الأقل، فلا يناموا جوعى، ولا عرايا فى برد الشتاء، وإن مرضوا يجدون الحد الأدنى من العلاج، أن يعيشوا حياة آدمية وفقاً لما ينص عليه دستورنا العظيم الذى يؤكد على مبادئ المساواة والعدل وتكافؤ الفرص بين جميع المواطنين، ويؤكد على التزام الدولة بتحقيق العدالة الاجتماعية وتوفير سبل التكافل الاجتماعى، بما يضمن الحياة الكريمة للجميع، فأين الفقراء والمهمشون والنائمون أسفل الكبارى وعلى الأرصفة، أين قرابة 3 ملايين من أطفال الشوارع، أين أكثر من خمسة ملايين فقير منهم 3٫4 مليون يعيشون تحت خط الفقر العالمى، أين كل هؤلاء من دستورنا العظيم من دولتنا الموقرة، من حكوماتنا المتتالية، من قراراتهم الجزافية التى أدت إلى حرمانهم جميعاً من كل حقوقهم الآدمية، وإذا بحكومتنا الغراء تواصل قراراتها التى تعتبرها جريئة ولم يسبق لأحد أن اتخذها من أجل إنقاذ خزانة الدولة، قرارات برفع الأسعار، كل الأسعار وليس فقط ما تطلق عليه السلع الترفيهية أو ما تسميه مجازاً «السلع الاستفزازية» نعم قرارات الحكومة المتتالية لرفع الأسعار قطعت أنفاسنا، ألجمت ألسنتا، قصرت أيدينا نحن الطبقة المتوسطة، فهل الفول والعدس والبطاطس والبصل سلعاً استفزازية، هل من المقبول أن يصل ساندويتش الفول الذى فى حجم كعكة العيد إلى جنيهين، وكيلو العدس إلى ثلاثين جنيهاً، لقد توقفنا عن طلب اللحم الذى بلغ مائة وعشرين جنيهاً، وسنتوقف عن طلب «الدواجن» البيضا المهرمنة المليئة بكل أمراض الدنيا والتى بلغ ثمن الكيلو منها 23 جنيهاً، وسنتوقف عن تناول حتى برتقالة مع برد الصيف بعد أن صار الكيلو بستة جنيهات.
وماذا بعد يا حكومتنا الغراء؟.. ماذا سيحمل لنا العام الجديد الواعد، نعم نحن على استعداد لشد الحزام وتجويع البطون، على استعداد لأن تعدمونا كطبقة متوسطة، وأن نلحق بالفقراء المعدمين ولكن بشرط أن تسرى قرارات التقشف على الجميع، أن تأخذ الدولة إجراءاتها لتطبيق الضريبة التصاعدية على أصحاب الدخول المرتفعة والأثرياء، أن يتم تحصيل الضرائب من المتهربين فهناك أكثر من 210 مليارات جنيه ضرائب ضائعة على مصر، وبدلاً من تحصيلها تم تطبيق ضريبة القيمة المضافة ليدفع ثمنها الفقراء والبسطاء وأبناء الطبقة الوسطى فى كل شىء.
الطبقة الوسطى يا أسيادنا.. يا سادة البلد وأثرياؤها هى عماد الاستقرار فى أى مجتمع ورمانة الميزان، والعروة الوثقى وكلما زاد عدد أبناء هذه الطبقة توازنت حركة المجتمع اقتصادياً واجتماعياً، ومن خلالهم يمكن احتواء أزمات الفقراء من الطبقة الدنيا، وأنتم الآن تعدمونا.. فأرجوكم لا تعدمونا ليس رفقاً بنا بل رفقاً بهذا الوطن الذى بات يغلى أغلب شعبه غضباً وأنيناً.
[email protected] com