من منظور يغلب عليه التشاؤم، أرى أن ما يحدث فى سوريا الآن نسخة بالكربون مشوهة مما حدث فى العراق، ولا يخرج عن كونه هستيريا مرضيّة شارك فيها الكثيرون ومن بينهم للأسف عرب، فالمشهد السورى قاتم بائس لا يعبّر أبداً عن سوريا وشعبها بميراث قيمها وثقافتها، فسوريا على مدى العامين الماضيين، دمار ودماء وأشلاء، كل هذا يحدث بحجة القضاء على نظام حكم استبدادى وفاشى ومن أجل الحرّية والتغيير، ولكن هل هذا يبرر التدمير المنهجى لسوريا، وحرق آثارها ومتاحفها ومساجدها وكنائسها، وتدمير كلّ ما يشير إلى حضارة وتاريخ وعمران وثقافة وعراقة سوريا؟
ما علاقة هذا بالقضاء على الاستبدادٍ أو القمع؟ ألم ينتبه أحد إلى انطلاق التحريض المذهبى منذ الأيّام الأولى لاندلاع الاحتجاجات واستمرّ التحريض من على منابر الصّلاة والجمعة تكفيراً وتهديداً وتحريضاً مباشراً على اغتيال كبار العلماء ومنهم العالم الجليل البوطى. ألم يع المتنطعون بالكلام عن الحرية إلى أن كل هذا يسير فى اتجاه تقسيم سوريا وشعبها وطوائفها والنسيج المجتمعى شبه الفريد فى المنطقة.. الجميع يعلم أن هذه الحرب استهدفت مواقع عسكريّة بعينها كانت موجّهة أساساً صوب إسرائيل. كل هذا يحدث من أجل ظهور خريطة عربيّة سياسيّة واستراتيجيّة ومكانة ودور لصغار، أمثال قطر وتركيا فى ظل غياب الكبار، تلك الدولتان اللتان تحولتا من أكبر حليفين إلى أكبر خصمين، وكلتاهما تموّل وتحرّض وتسلّح وترفض الحلٍ السياسى.
إن تركيا لديها طموح أن تستعيد دورها الإمبراطورى العثمانى، وأن تكون حليفاً أو عضواً فاعلاً فى حلف الناتو، وقطر ثلثاها قاعدة أمريكيّة، فهى لا تملك قراراً مستقلّاً بل تلعب دوراً يوكل إليها، ليس فقط فى سوريا، بل فى العالم العربى كله.. أن هؤلاء يدعمن نساء قاتلات متمرسات فى قطع رؤوس أشخاص، وهن أحياء ويتباهين بأنفسهن.
إن ما يجرى فى سوريا هو تدمير هويّة، وحضارة. والجميع يعلم أن العصابات المسلّحة التى تسمى نفسها المعارضة، تلتقى مع الأهداف الإسرائيلية، وهناك من يدير ويرتّب هذه العمليّات، لذلك جرحى تلك العصابات نقلت إلى إسرائيل للمعالجة.
إن ما يحدث الآن فى سوريا عمل مدبّر ومرسوم المستفيد الأول منه هو إسرائيل. إن ما يجرى فى سوريا ليس هدفه تحسين وضع الشعب السورى، وخاصة بعد تدمير البنية التحتيّة، فما علاقة ذلك بالحرّيات ووضع الديمقراطيّة أنه إنهاك للدولة السوريّة وللشعب السورى الذى للأسف تمّ شراء المعارضة به بالمال.
والجميع يعلم أن الإخوان المسلمين لهم دور فى التدمير الممنهج لسوريا، فهم يعتبرون أن كلّ المسلمين الموجودين الآن غير مسلمين وأنّ الوهّابيين هم الوحيدون المسلمون، إلى جانب أن الإخوان المسلمين لهم علاقة حميمية ووثيقة جدّاً بالماسونيّة وعلاقات ممتازة مع المخابرات الأمريكيّة والصهيونيّة.. أعتقد أن الفيتو المزدوج الروسى الصينى الّذى أُخذ فى 2011، وفى 2012 كان بالإضافة إلى أهميّته بالنسبة لسوريا وللشعب السورى كان مؤشّراً ومؤذّناً لولادة نظام عالمى جديد، حيث تلعب به روسيا والصين دور القطب الآخر، وقد انتهت مرحلة القطب الواحد والهيمنة الغربيّة على مقدّرات الشعوب وعلى مصالحها. والسؤال: هل يجىء الحل على يد هذا القطب الجديد؟.. الحقيقة أن إنقاذ سوريا لن يتم إلا بسواعد أولادها.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض