على فكرة
فى المحور الهام حول تأثير الإعلام فى صناعة السياسة، فى المؤتمر الوطنى الأول للشباب، توقعت أن أستمع إلى إشارة واضحة من المتحدثين عن النصوص الدستورية التى تنظم الحق فى حرية الصحافة ووسائل الإعلام، وفق ضوابط ومعايير تلتزم بأصول المهنة واخلاقياتها ومقتضيات الأمن القومى، وتحظر فرض رقابة عليها إلا فى زمن الحرب أو التعبئة العامة، كما تحظر توقيع عقوبة سالبة للحرية فى جرائم النشر، سوى فى جرائم التحريض على العنف والتمييز بين المواطنين والطعن فى الأعراض. وكما هو واضح، فهذه النصوص تستطيع أن توازن بين حرية الصحافة والإعلام، وبين الظروف الاستثنائية التى تمر بها مصر الآن.
ورغم أن توقعى باء بالفشل، فتظل الجلسة التى ناقشت هذا المحور واحدة من أهم فاعليات هذا المؤتمر، لأنها تعلقت بموضوع يبدو فيه الاستقطاب واضحا، بين حملات تزعم أن مصر بها تقييد صارم على حريات الإعلام والصحافة، ومصادرات وقمع لحريات الرأى والتعبير، وحملات أخرى تذهب إلى أن هناك حالة من الانفلات الإعلامى، تصيب الإعلام المصرى بالرغبة فى الإثارة، والخلط بين الرأى والخبر، وعدم الدقة المهنية، وفى هذا السياق، شهدت الجلسة اتجاهين الأول يرى أنه لم يعد هناك جدوى من وضع أى قيود أو تنظيم لوسائل الإعلام بعد ثورة الاتصالات، وأن الحرية المطلقة له، قادرة على تنظيم نفسها، وأن الإعلام حر فى أن يقول ما يشاء، طالما يحق لمشاهده وقارئه، أن يتركه ويذهب لغيره.
الاتجاه الثانى ينطلق من ضرورة وضع ضوابط موجودة فى كل دول العالم، تجعل ممارسة هذه الحرية فى إطار المصالح العامة، وتضع فى الاعتبار عدم المس بحقوق الآخرين، وباستقرار البلاد وأمنها القومى. وبدا فى لحظة أن الاتجاهين لا يمكن أن يتلاقيا. جوهر اللبس الذى حدث فى الجلسة يعود فى تقديرى إلى الخلط بين نوعين من الإعلام، الأول الإعلام المهنى المتمثل فى الصحف القومية والحزبية والخاصة والإلكترونية والقنوات التليفزيونية من جانب، وما يسمى إعلام المواطن على وسائط التواصل الاجتماعى. فالأول إعلام مسئول، ينظم القانون إنشاءه، ويديره إعلاميون مهنيون مسئولون قانونيًا وأدبيًا عما يقولون أو يكتبون، ويخضعون للمحاسبة لارتكابهم أخطاء مهنية تمس مصالح عامة أو حقوق آخرين. أما ما يسمى إعلام المواطن الذى يعبر فيه مواطنون عاديون عن آرائهم، فهو أقرب إلى الدردشة الاجتماعية التى تسمع فى المقاهى والمواصلات العامة وصالونات البيوت، وهى فى معظمها انطباعات سريعة، وتعليقات مرسلة تفتقد فى معظم الحالات للمعلومات، وتغرى الفئات المحدودة الوعى بالاستهواء والتقليد دون تفكير. وهذا الإعلام هو بالضبط ما يثير المشاكل، لأنه ينطوى على تحريض على العنف والفوضى، ويعتدى على حقوق الآخرين، وينتهك الحق فى الخصوصية، ويستغل للابتزاز ولتصفية حسابات شخصية بين افراد، وبينهم وبين المؤسسات التى يعملون بها. وفى الحالتين الإعلام المهنى وإعلام المواطن، لا بد من قوانين تنظم الإنشاء والادارة وقواعد الممارسة، وتضمن حقوق العاملين به، وهذا يتطلب المحاسبة القانونية على جرائم القذف والسب والنصب وترويج الشائعات والدعوات للتخريب على وسائط التواصل الاجتماعى، وأن تكون هناك نقابة للإعلاميين، تضع ميثاق شرف إعلاميا، طبقا للمعايير الدولية، يحدد مسئولية كل الأطراف الداخلة فى العملية الإعلامية .ومن المدهش أن قانون تلك النقابة ما زال يتسكع فى دهاليز الحكومة، برغم تسلمها له منذ أكثر من عامين.
تنظيم قانونى لوسائل الإعلام لا يهدر أصل الحق، وممارسة للحق لا تعتدى على حقوق الآخرين، ولا يتجاهل المعركة الشرسة التى تخوضها مصر ضد إرهاب مجنون، يستخدم الحرية الإعلامية المطلقة كوسيلة لنشر خرابه ودماره!
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض