انتكاستان مؤثرتان تعانى منهما السعودية فى الآونة الأخيرة، قد يمتد أثرهما لسنوات قادمة.. الأولى تعد أكثر خطورة من الأخرى. فعندما صوّت الكونجرس لصالح إسقاط الفيتو الرئاسى بخصوص قانون جاستا بما يسمح لأهالى ضحايا الاعتداءات بمقاضاة السعودية وسعى أعضاء فى مجلس الشيوخ والكونجرس إلى أن يظهروا أنهم صارمون فى مواجهة الإرهاب فى عام الانتخابات، لذلك سارعوا إلى تمرير مشروع قانون جاستا دون نقاش ودراسة متأنية لآثاره، وهذا التصويت بمثابة انتهاء شهر العسل الأمريكى السعودى، وتأكيد أن الولايات المتحدة لا يمكن أن يراهن عليها أى حليف قريب أو بعيد، فخلال السنوات الأربع الأخيرة خذلت الولايات المتحدة السعودية فى العديد من المواقف السياسية التى كانت الرياض بحاجة فيها إلى دعم، وأولها فى سوريا حيث ما زالت واشنطن، كما ترى الرياض مترددة وضعيفة فى مواقفها تجاه الأزمة السورية، وتتحفظ واشنطن على دعوات الرياض لها بالتدخل العسكرى المباشر لمصلحة فصائل المعارضة السورية لتحقيق هدف إسقاط الرئيس السورى بشار الأسد، والكل يذكر الأزمة التى مرت بها العلاقات السعودية الأمريكية عندما رفض الرئيس أوباما دعوة الرياض لضرب النظام السورى فى سبتمبر العام 2013 بعد اتهام النظام باستخدام الأسلحة الكيميائية.. والانتكاسة الثانية للسعودية مختلفة لكنها تترك أثرًا سلبيًا على السعودية. ففى مؤتمر أوبك فى الجزائر تخلت السعودية عن سياستها الطويلة الأمد بضخ النفط بالقدر الذى تريده ووافقت على خفض الإنتاج بهدف رفع سعر النفط الخام، أما الدافع المحتمل لهذه الخطوة فكان نقص الأموال. وللأسف آفاق هذا الاتفاق الجديد ضبابية لكن يبدو أن إيران حصلت على أكثر مما تريد فى العودة إلى مستوى إنتاجها قبل فرض العقوبات... وهذان القراران وبالأخص قانون جاستا يجعلان السعودية والدول الحليفة لها فى الخليج على الطريق المنحدر الذى لا مفر منه فالقانون جاء نتيجة طبيعية، للحملة الإعلامية الشرسة غير المسبوقة ضد المملكة، التى بدأت من خلال أوباما نفسه بمقال بعنوان عقيدتى، فى أتلانتك.. ويبدو أن الأمريكان لا يخفون رد الفعل السعودى لأن استثمارات المملكة فى أمريكا لا تتجاوز 750 مليار دولار، بينما الدين العام الأمريكى وصل إلى 19 تريليون دولار فى 2016، وتلك الأموال التى ستجنى من قانون جاستا سيذهب معظمها للمتضررين من الأهالى وليس للحكومة الأمريكية نفسها... ورفض القانون من قبل السعودية لن يُفيد، لأن القانون قد أُجيز من أكبر جهتين تشريعيتين بالولايات المتحدة.. والسؤال لماذا تلجأ أمريكا الآن على عقاب السعودية على جريمة يعلم الجميع أن الموساد اليهودى هم من دعموها وخططوا لها.. وإصرار مجلسَى الكونجرس الأمريكى على التصويت على قانون «جاستا» رغم أن فيتو الرئيس يشير إلى أن السعودية رغم العلاقات الاستراتيجية التى تربط الرياض وواشنطن منذ نحو سبعة عقود من الزمن، لم تنجح فى أن توجد لها «لوبى» أو جماعة ضغط فى الكونجرس الأمريكى أو عند مراكز صنع القرار فى واشنطن. على عكس ما فعلته إيران التى تملك لوبى إيرانياً قوياً. ورغم أن السعودية بدأت منذ شهور التحرك على صعيد إيجاد نفوذ إعلامى وسياسى لها فى الولايات المتحدة عن طريق شركات للعلاقات العامة، وبزيارة ولى ولى العهد السعودى محمد بن سلمان للولايات المتحدة والمستغرقة ثلاثة أسابيع، والتقى خلالها بعدد كبير من أعضاء الكونجرس وزعماء سياسيين ورؤساء شركات، بالإضافة إلى المسئولين الأمريكيين على مختلف مستوياتهم. وتجنيد عدد من الخبراء السياسيين والمستشارين، منهم من كان مسئولاً فى إدارات أمريكية سابقة، مثل المساعد الأسبق لوزير الخارجية الأمريكية ديفيد روس والمعروف أنه أحد نشطاء اللوبى اليهودى فى واشنطن. ولكن ذهب كل هذا أدراج الرياح، وأصبح المشهد أكثر سوءًا مما كان متوقعاً، وبالأخص بالنسبة للسعودية المستنزفة ماديًا فى حربين لا يعلم أحد حتى الآن مداهماً فى سوريا واليمن.. والسؤال: إلى أين سيؤول الأمر بالسعودية وعلاقتها بأمريكا... الأيام القادمة تحمل الإجابة.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض