أوراق مسافرة
«هتقعدى يا مدام» قالها الشاب «الجلف» فى نبرة تحمل التهديد والوعيد أكثر منها دعوة للجلوس، نظرت لوجهه المزركش بآثار «البشلات أو البشل» أى آثار سكين أو مطواة إن صح تعبيرى بلغتنا العامية، وأيقنت ما أواجهه من مأزق، فرددت فى حسم «لا شكراً أنا واقفه شوية»، فرد بصوت أجش أكثر حسماً وتهديداً «ما ينفعش يا مدام ممنوع الوقوف هنا، إما تقعدى على الكراسى ونسترزق وإما مع السلامة»، وبالطبع استفزتنى لغته رغم أن أعماقى كانت تردد أغنية «العيد فرحة» وليس لدى رغبة فى أن يفسد علىَّ اندماجى فى استدعاء تلك الفرحة المنقوصة بسفر الأحباب، لكنى وجدتنى قد ركبت دماغى الصعيدى الذى لا يخاف تهديد وواجهته بنظرة نارية وقلت «لا أنا هأقف هنا لما تشترى الكوبرى ابقى قلى وأحسن لك كل عيش فى أدب بدل ما تمشى من هنا خالص»، ويبدو أن نبرتى «خالت» عليه، واعتقد أنى «مسنودة» أو لىَّ حد فى الشرطة مثلاً أو أى جهة سيادية، فرمانى بنظرة حارقة وانسحب، لكن مضايقته لى لم تتوقف وأنا واقفة على الكورنيش بكوبرى عباس ألتمس نسمات هواء يبعثها نيلنا المتقلص الشواطئ، فقد قام بدفع المقاعد البلاستيكية القذرة والتى «يفرشها» على الكوبرى إلى جانبى ليضيق على مساحة وقوفى، وبين لحظة وأخرى يكرر علىَّ نفس السؤال «تشربى حاجة ساقعة، عايزة حمص الشام.. قزازة ميه»، غير أن العناد بلغ بى منتهاه فقررت ألا ينال منى جنيهاً واحداً.
تلفت إلى باقى كورنيش النيل على الجانبين، كان قد تم احتلالهما بالبلطجية الذين أحضروا عشرات المقاعد تبعهم، لإجبار رواد الكورنيش على الجلوس عليها لبيع الساقع والسخن وحمص الشام وغيرها، وويل لمن لا يستجيب لهم، فسيتم حرمانه من الوقوف على النيل، أو حتى الجلوس داخل سيارته فلا مكان خالٍ إلا لكراسيهم وبضاعتهم التى يفرضونها فرضاً بأسعار سياحية، والمؤسف أنك لن ترى رجل شرطة لفض الاشتباك بين هؤلاء البلطجية وبين المواطنين الغلابة الذين يرون فى كورنيش النيل متنفساً يعوضهم عن دفع مئات الجنيهات فى الكازينوهات والكافتيريات التى صار سعر المشروب بها يتعدى سعر كيلو اللحم، فإذا بهم مضطرون لاستئجار هواء النيل من البلطجية.
وليس كورنيش النيل فقط الذى احتله البلطجية فى غياب الشرطة بما يمثل اهتزازاً لهيبة الدولة وتجاهل لسيادة القانون، بل كل شوارع مصر بلا استثناء تم احتلالها، إن لم يكن فى مقاهى غير مصرح بها يكون أماكن ركن سيارتك إن كنت ممن أكرمهم الله بأربع عجلات تغنيهم عن بهدلة الأتوبيسات واستغلال الميكروباصات، واستعباط سائقى التوك توك، فستجد أمام كل سوبر أو متجر أو مصلحة حكومية واحداً أو اثنين وقد انشقت عنهما الأرض ليطالبوك بتمن وقفة سيارتك، والأدهى أنك لن تراهم حين تبحث عن مكان لركن السيارة بصورة سليمة بل تشاهدهم فقط لحظة المغادرة، وويل لك أن لم تدفع المعلوم، والكارثة أنهم حددوا تعريفة ليؤجروا لنا شوارعنا، وأقل مبلغ مفروض عليه دفعه هو خمسة جنيهات، تزيد بعدد الساعات وكأنه جراج ملك لهذا البلطجى الذى كل رأس ماله صفارة قذرة المظهر علقها فى رقبته بحبل أكثر قذارة.. ناهيك عن المتسولين البلطجية الذين يطاردونك كلصوص السرقة بالإكراه، وإن لم تتصدق إجباراً ستسمع «شتيمتك» وإهانتك بأذنك، وهؤلاء اكتظت بهم شوارعنا.. نعم شوارعنا احتلها البلطجية.. فأين الأمن.. أين الدولة.. وللحديث بقية.