بدون رتوش
فى أعقاب التقارب بين تركيا وروسيا وتعزيز الصلات التركية مع إيران، بدت معالم تغيير طفرى فى الأحداث، ما أعطى الانطباع بإمكانية تغيير تركيا لموقفها إزاء النظام السورى. وأكد هذا تصريح «بينالى يلدريم»، رئيس وزراء تركيا بأن بلاده ستضطلع بدور أكبر فى تسوية النزاع فى سوريا خلال الأشهر الستة القادمة للحيلولة دون تقسيمها. غير أنه ما لبث أن قلب رأس المجن وتدخل بنزق فى الشأن الداخلى السورى عندما تحدث عن الرئيس «بشار» قائلاً: «الرئيس بشار الأسد قد يضطلع بدور فى القيادة المؤقتة، لكنه لن يكون جزءاً من الحل المستقبلى». وكأنه يفوض نفسه وصياً على سوريا وعلى اختيار من يحكمها بعد أن لعبت تركيا دوراً تآمرياً خسيساً ضد الدولة السورية، عندما عبأت وحشدت منظمات الإرهاب من «داعش» و«النصرة» وغيرهما لتدفع بها إلى الأراضى السورية لنصب الفخاخ وإثارة الفوضى وتدمير البُنى التحتية للدولة وقتل وتشريد أبنائها.
كان يتعين على تركيا فيما لو أرادت إصلاح الجسور مع سوريا ألا تقترب من شأن داخلى يخص الشعب وحده، فالشعب هو الذى يختار حاكمه وليس دولة أردوغان التآمرية.
ويبدو أن تركيا لم تتعظ من محاولة الانقلاب الفاشل ضد نظامها لا سيما أنها استاءت من الدول التى لم تدن الانقلاب، فكيف بها اليوم تمعن فى التدخل فى شأن سورى بحت فى محاولة منها لقلب نظام الحكم لدى الآخرين؟
آن الأوان أن تتعظ تركيا من الانقلاب الذى استهدفها، وأن تتصدى للأخطار الحقيقية التى تجابهها فى الداخل، وتتصدرها طموحات الأكراد لرسم حدود دولة تمتد من شمال سوريا وجنوب تركيا بدعم من أمريكا. يجب ألا تغفل دولة أردوغان عن قضية الأكراد التى تتفاعل فى جنوب تركيا إلى حد باتت معه مناطقهم أشبه ما تكون بكانتونات حكم ذاتى تشهد مواجهات شبه يومية مع الشرطة التركية. وهناك سيطرة الأكراد السوريين على المناطق الحدودية مع تركيا وأهمها القامشلى، والحسكة، ورأس العين، وعين العرب وصولاً إلى جرابلس، وعفرين، وهو ما يجعل هذه المناطق أشبه ما تكون بنواة دولة كردستان الصغرى التى تبارك أمريكا قيامها منذ عقود. ولاشك أن أردوغان يريد بالقطع إنهاء هذا الحكم الكردى الذى يشكل له الكابوس الأكبر.
عار على «يلدريم» وهو يتحدث عن ضرورة إيجاد حل للأزمة السورية أن يشرع فى التحريض ضد النظام، رغم أنه يعلم أن البديل سيكون كارثياً، فالصمود البطولى للنظام هو الذى حمى سوريا حتى الآن من الوقوع فى براثن التقسيم والضياع، فالبديل عن بشار هو فوضى الغوغائيين الإرهابيين الذين قدموا من أكثر من تسعين دولة والذين سيرتدون ثانية إلى أوروبا ليفتحوا عليها أبواب الجحيم. عار على تركيا قيامها ولأول مرة بالتوغل العسكرى داخل سوريا، حيث دخلت قوات تركية، الأربعاء الماضى، مدينة جرابلس، وكانت معززة بالدبابات والمدرعات وبغطاء جوى من طيران التحالف الأمريكى الذى تقوده واشنطن.
ويأتى هذا تحت زعم تركى بإيلاء الأولوية لوحدة الأراضى السورية ودعمها، وأن ما قامت به تركيا شمال سوريا يهدف إلى تطهير الحدود من المنظمات الإرهابية. ولكن هل غاب عن تركيا أنها لو أرادت محاربة الإرهاب على أرض سوريا الدولة ذات السيادة، فلابد أن يتم هذا من خلال التنسيق مع الحكومة الشرعية؟ وعليه يصبح ما قامت به تركيا خرقاً فاضحاً للسيادة السورية لاسيما أن تركيا تحت زعم محاربة إرهاب «داعش» قامت بإحلال تنظيمات إرهابية أخرى مكانه مدعومة مباشرة منها. وكان غريباً أن يعلن وزير دفاعها فى اجتراء وقح وتجاوز للقانون الدولى بأن قوات بلاده ستبقى فى سوريا حتى يسيطر «الجيش الحر» على المنطقة، والأغرب أن يتم هذا بمباركة أمريكية!!
يتعين على أردوغان أن يتراجع عن سياسته الإقليمية المتخبطة، ويدرك أن سوريا والعراق هما البوابتان البريتان لتركيا على العالم العربى، وهو ما يتطلب حسن الجوار مع الدولتين ومع القوة الإقليمية المتمثلة بإيران، وبتحالف راسخ مع روسيا، والابتعاد عن السياسة الأمريكية حمالة الأوجه والمشبوهة التى لا تعرف صديقاً. ومن جديد أقول بأن ما جرى فى جرابلس الأربعاء الماضى ليس محاربة للإرهاب كما ادعت تركيا بل هو إحلال لإرهاب آخر مكانه. لقد أهدرت تركيا بتلك القرارات الدولية وخاصة ما يتعلق منها بإغلاق الحدود وتجفيف منابع الإرهاب. ولا يدرى المرء إلى متى تمضى تركيا فى العزف على سوق الأكاذيب والإمعان فى التضليل وخلط الأوراق؟
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض