لا يستطيع أحد إنكار أن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوربى يعد بمثابة الصدمة للكثيرين وعلى رأسهم أمريكا؛ حتى ولو كانت هناك العديد من المؤشرات السابقة لحدوث ذلك، وهذا ما سيدفع المسئولين الأمريكيين لإعداد تصور جديد لاستراتيجيتهم بعد قرار بريطانيا بالطلاق مع الاتحاد الأوروبي، فالتحدي كبير للتوصل إلى طريقة لإيجاد بديل لشريكهم الأكثر وثوقاً في العواصم الأوروبية، وخاصة أن خسارة دور بريطانيا القوي جاء في ظل لحظة سيئة، للغاية بينما يناقش الأمريكيون وحلفاؤهم كيفية التعامل مع روسيا، وتفعيل الناتو، والإسراع في التوصل إلى اتفاق حول التجارة الأمريكية الأوروبية، والعمل على إيجاد تسوية دبلوماسية في سوريا من شأنها تخفيف أزمة المهاجرين في أوروبا؛ إلى جانب تصاعد خطر داعش الذي بدا واضحاً أن ساحته القادمة ستكون في أوروبا (وربما ما حدث فى مطار تركيا هو البداية)؛ التى كانت ستلعب دوراً أكبر في المنطقة والشرق الأوسط في حين يتحول الاهتمام الأميركي صوب آسيا.
على الجانب الآخر من الممكن أن يكون قرار بريطانيا فى مغادرة الاتحاد الأوروبي والذى فتح الباب على مرحلة من الاضطرابات السياسية، فرصة جديدة للولايات المتحدة للتأكيد على قيادتها للتحالف الغربي. وخاصة إن أوروبا ليست لها القدرة على إنعاش النمو الاقتصادي ومواجهة التهديدات الأمنية عند حدودها الشرقية والجنوبية.
وما حدث يفرض على أمريكا وضع خارطة الطريق للتعامل مع مرحلة ما بعد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي. ومن بينها أن تقوم الولايات المتحدة بدعوة بريطانيا إلى بدء محادثات ثنائية حول التجارة الحرة بموازاة المحادثات الراهنة مع الاتحاد الاوروبي، لأن اتفاق أمريكا في مجال التجارة مع خامس قوة اقتصادية في العالم هو من مصلحتها، وقد يستغل الجمهوريون ذلك، فبوسع دونالد ترامب ورئيس مجلس النواب بول ريان الترحيب بالمحادثات التجارية.
وقد يؤدى خروج يريطانيا إلى إعادة تفعيل منظمة حلف شمال الأطلنطي التي ستكون من الآن فصاعداً الوسيلة الرئيسية لبريطانيا لممارسة نفوذها في أوروبا، وبالتالى تحرير أوروبا من محاولة إنشاء هيكلية أمنية متداخلة مع الناتو؛ ليقف أمام تصعيد بوتين لاستراتيجية فرق تسد.
وفى الحقيقة أن ما حدث يرجع فى الأساس إلى المزيج الفريد من المؤسسات الديمقراطية والأسواق المتكاملة وسيادة القانون والحدود المفتوحة الذى جعل الكثير من الأوروبيين يعتقدون أن أوروبا قوة مدنية موازية إن لم تكن متفوقة على القوة الصلبة للولايات المتحدة التي من جانبها التزمت بما أعلنته بتوسيع دائرة الحكم الديمقراطي وبالتخلص من الزعماء الاستبداديين كما ترى أمريكا، مما أدى إلى توريد أفكار موازية لذلك إلى أوروبا؛ فكانت النتيجة تصويت بريطانيا لصالح الخروج من الاتحاد الأوروبي، واتجاه بولندا وهنغاريا وإسرائيل نحو اتجاهات غير ليبرالية. فضلاً عن أن الحزبين الأمريكيين الرئيسيين على وشك تسمية مرشح رئاسي يعارض التسامح الذي هو أساس المجتمع الليبرالي ويعبر عن معتقدات عنصرية وهو المرشح الجمهوري دونالد ترامب، إلى جانب أن ارتكاب الكثير من الدول لبعض الأخطاء الهامة من بينها إنشاء اليورو وغزو العراق ساعدت في تقويض شرعية النظام الذي قام بعد الحرب الباردة وشرع الباب أمام القوى غير الليبرالية، وترك بعض شرائح المجتمع عرضة للتجاوب مع النداءات الرافضة للهجرة، والطالبة بالانفصال عن التجمعات الدولية.. ومن أنفسكم سلط عليكم!
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض