انقسم الرأى العام بين مؤيد ومعارض لسياسة الدولة بعد إعلانها إلحاق جزيرتى صنافير وتيران للمملكة العربية السعودية، عقب زيارة ملكها لمصر وإعلان التوقيع على عدد من المشروعات الاستثمارية فى البلاد حتى إنه بدا للبعض أن مصر باعت جزءاً من أرضها فى مقابل حفنة من الدولارات، وقامت لذلك مظاهرات ونشرت العديد من المقالات تندد بتصرف نظام الحكم.
ولو أن نظام الحكم كان واعياً لنبض الشعب ما فاجأه بموضوع الجزيرتين دون أن يمهد له الحقائق من خلال وسائل الإعلام، وما أسهل هذه الحقائق المدونة فى كتب التاريخ والقانون الدولى العام، مثل كتاب أستاذنا الكبير، رحمه الله، الدكتور حامد سلطان، الذى كان موضع ثقة ومشورة الملك قبل الثورة، ثم قادة ثورة 23 يوليو، حتى يصدق عليه القول بأنه شاهد على التاريخ، بل وأحد المؤثرين فى التصرفات الحكومية، وهو ما نقرؤه فى كتابه عن القانون الدولى العام طبعة 1961 والطبعات التالية حتى الرابعة عام 1969 عن خليج العقبة من صفحة 639 وما بعدها هكذا، ويمتد خليج العقبة امتداداً طولياً فى شرق جزيرة سيناء من الجنوب الغربى إلى شمال الشمال الشرقى واصلاً بين المملكة العربية السعودية شرقاً، والجمهورية العربية المتحدة غرباً، ويبلغ طول الخليج 99 ميلاً بحرياً، وتشغل سواحله المملكة العربية السعودية والأردن وإسرائيل والجمهورية العربية المتحدة، ويوجد عند كتفى الخليج عند مدخله جنوباً أرخبيل صغير يشتمل على عدد من الجزر الصخرية الصغيرة تبلغ حوالى 30 جزيرة، كانت كلها تابعة للمملكة العربية السعودية، وأكبر هذه الجزر جزيرتا تيران وصنافير بالقرب من الشاطئ السعودى، وفى عام 1905 بدأت المفاوضات بين الحكومتين المصرية والعثمانية بقصد تعيين الحدود الشرقية لمصر نهائياً، وانتهت هذه المفاوضات فى أكتوبر 1906، وتم الاتفاق على أن تمتد حدود مصر الشرقية من رفح إلى منطقة غرب ميناء العقبة بثلاثة أميال، أما العقبة فقد ظلت من أملاك تركية «فى ظل الإمبراطورية العثمانية»، وعندما قامت الحرب العالمية الأولى عام 1914 انحاز الشريف حسين أمير مكة إلى جانب بريطانيا، وأعلن الثورة على الدولة العثمانية «التى انضمت لألمانيا» ونجح الثوار فى الاستيلاء على العقبة فى صيف 1917، ومنذ ذلك التاريخ صار ميناء العقبة بصفة مؤقتة جزءاً من أرض الحجاز، التى أصبح يحكمها الملك حسين «وبعد انهيار الإمبراطورية العثمانية» صار خليج العقبة خاضعاً لسيادة مصر والسعودية والأردن، وظل هذا الوضع قائماً حتى نشبت حرب فلسطين فى 15 مايو 1948، وانعقدت الهدنة بين مصر وإسرائيل فى «رودس» فى 24 فبراير 1949.
وقبل عقد الهدنة بين الأردن وإسرائيل تحركت بعض القوات الإسرائيلية، واحتلت أم الرشراش على خليج العقبة، وذلك على الرغم من وقف جميع التحركات العسكرية، التى فرضها مجلس الأمن على المقاتلين، وقدمت الأردن فى اليوم ذاته شكوى إلى وسيط الأمم المتحدة، رالف بانش.
وكان لاحتلال أم الرشراش التى صارت تعرف الآن بميناء إيلات الإسرائيلى أثر بالغ لدى السلطات المصرية باحتلال تيران وصنافير، وهما الجزيرتان اللتان تتحكمان فى مداخل خليج العقبة، وأقامت السلطات المصرية مدافع شاطئية تسيطر تماماً على الملاحة فى المضيق، وأبلغت مصر الحكومتين البريطانية والأمريكية بذلك.
هذا ما كتبه الأستاذ الدكتور حامد سلطان، رئيس قسم القانون الدولى بكلية الحقوق فى جامعة القاهرة وكان طبيعياً أن يكون مستشاراً للملك وحكوماته فى مسائل القانون الدولى العام، ثم مستشاراً لقادة ثورة 23 يوليو 1952، وقد زرته فى بيته، وحدثنى عن مشورات قيادة الثورة فى موضوع السودان عام 1954 حتى 1956 عند إعلان السودان استقلاله عن مصر.
رحمه الله رحمة واسعة، فقد كان شاهداً حياً على التاريخ ومشاركاً فعالاً فى سياسة الحكومة المصرية قبل الثورة وبعدها مما أهله تماماً لتسجيل أحوال جزيرتى تيران وصنافير وتبعيتهما للمملكة العربية السعودية تاريخاً وقانوناً قبل ترسيم الحدود البحرية وبعدها.. ولو أن حكومتنا قد نشرت فى وسائل الإعلام هذه الحقائق قبل زيارة ملك السعودية لمصر ما ثار عليها الرأى العام واتهمها بالتفريط فى أرض مصرية، وسارت لذلك مظاهرات والعديد من المقالات التى تندد بتصرف نظام الحكم.