العلم هو الذى أنقذ شهرزاد من الموت، ففى مقدمة ألف ليلة وليلة يقول الراوى إنها قرأت ألف كتاب وكتاب، ولذلك استطاعت أن تشخص مشكلة الملك شهريار، واستطاعت أيضا بمخزون المعرفة والحكايات التى قرأتها أن تستمر فى الحكى ألف ليلة وليلة.
ولعلنا دائما عندما نواجه مشكلة نسأل عن الحل، فنلجأ إلى خبرة سابقة لنا، أو نلجأ إلى خبير يعرف كيف يعالج هذه المشكلة، ومن هنا نتعلم أن هناك فريقاً من الناس هم أهل العلم، وهؤلاء هم من يستطيع أن يوفر علينا الوقت والجهد والمال فى مواجهة أى مشكلة عويصة.
من هنا تصبح قضية التعليم هى القضية الأولى بالرعاية، وتصبح الاقتراحات العشوائية لحل مشاكل التعليم هى ضرب من ضروب العبث الذى قد يؤدى إلى عكوسات، أى نتائج عكسية، مشكلتها أن آثارها لا تظهر إلا بعد سنوات، وعندها قد يستحيل العلاج.
ولقد صدرت تصريحات فى الآونة الأخيرة تتحدث عن أمرين، أولهما هو وضع مناهج جديدة، أما الأمر الثانى فكان حديثا صدر عن إحدى أعضاء مجلس النواب تتحدث فيه عن إلغاء مجانية التعليم.
أما فيما يتعلق بالشق الأول، فلا بد أن نتأمل فكرة المنهج الدراسى باعتباره اختراعا قديما، عرفته مصر منذ آلاف السنين، وهذه المناهج تتميز بثبات نسبى كبير بالنسبة لسنوات التعليم الابتدائى والإعدادى والثانوى، الذين يدرسون أساسيات العلوم، وتلك الأساسيات لا تتغير بين سنة وأخرى، وإنما يمكن فقط تحسين طرق عرضها، أو تحديث طرق تدريسها، أو حذف ما يكتنفها من حشو، أو غير ذلك من الضرورات التى قد تحتاج إلى تغيير الكتاب الدراسى كل عشر سنوات مثلا، لكن الكتاب المدرسى أصبح تجارة رابحة، ومن ثم وجب تغييره كل سنة، حتى تباع الكتب الجديدة، على الرغم من التكلفة الهائلة التى تتكلفها الدولة والأسر نتيجة التغيير المستمر للكتاب المدرسى، الذى لا شك يرهق المدرس أيضا لاستيعابه فى كل مرة يتغير فيها، وظل هذا المرض يتفاقم إلى أن وصلنا إلى مرحلة الإسفاف التى نجد فيها كتابا مدرسيا سطحيا مليئا بالأخطاء من كل الأنواع، يدفع التلاميذ دفعا لاقتناء الكتاب الخارجى، وهو موضوع تجارة أخرى هائلة، لها أصحابها.
أما مجانية التعليم التى بدأت فى بداية الخمسينيات قبل ثورة يوليو 52، فقد كان وراءها الدكتور طه حسين الذى أدرك أن الأمة المتعلمة هى التى تستطيع أن تحدد مصيرها، ومسارها بفكر أبنائها، ومن هنا استطاع تحقيق هذا المكسب للشعب المصرى كله، وبعد 65 سنة يأتى من يتحدث عن إلغاء المجانية، والتعامل مع التعليم باعتباره استثمارا، وباعتبار المدرسة محلا للاتجار فى المعرفة والبشر، وكأن المدارس هى ملك لهؤلاء، متناسين أن مصر تعانى من نسبة أمية كبيرة، بالإضافة إلى ما نطلق عليه الأمية الثقافية، فكيف سيكون حال هذا الوطن إذا ألغينا مجانية التعليم، وماذا سيفعل الفلاحون والعمال فى أبنائهم، وكم سيكلف ذلك المواطن البسيط الذى يعانى مصاعب الحياة بالفعل، فنزيد همومه هما جديدا، وهل يمكن أن يرتقى تعليم يمتلكه أصحاب رؤوس الأموال بالتعليم المصرى، بما يحقق له النهوض والتطور، أم سينحرف المسار إلى تجارة بالبشر قد تزيد الأمر سوءا.
هناك قضايا قومية هى بالأساس قضايا أمن قومى، منها قضية التعليم، ولا يجب أن ينسى هؤلاء الذين ينادون بإلغاء مجانية التعليم أنهم تعلموا فى المدارس المجانية، ولولا هذه المدارس ما كان لهم أن يصلوا إلى هذه المناصب التى وصلوا إليها، وما استطاعوا أن يرفعوا صوتهم مطالبين بقتل التعليم المجانى، وقتل مستقبل ملايين التلاميذ، الذين لا ذنب لهم سوى أنهم ولدوا فى هذا العصر.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض