رئيس حزب الوفد
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس الإدارة
د. خالد قنديل
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس الإدارة
د. خالد قنديل
رئيس التحرير
ياسر شورى

 

 

 

لم يكن قد مر نحو أقل من 24 ساعة عل خبر وفاة  الدكتور بطرس بطرس غالى، حتى داهمنا خبر رحيل محمد حسنين هيكل، لتبدو مصادفة تزامن رحيلهما مثقلة بالدلالات، ليس فحسب لتقارب عمريهما، حيث ولد دكتور غالى فى 14 نوفمبر عام 1922، وولد الأستاذ هيكل فى 23 سبتمبر عام 1923، بفارق اقل من عام بينهما،بل أيضا لأن كيلهما  قد عمل بالسياسة والصحافة،وشغل كل منهما مساحة من اهتمام الرأى العام المحلى  والإقليمى والدولى، بحكم المواقع الرسمية التى تولاياها،فضلا عن المواهب والخصائص والكفاءات التى شكلت شخصيتهما.

نشأ الاثنان «غالى» و«هيكل» فى ظروف اجتماعية مختلفة،إذ انحدر الأول من عائلة من أغنياء الصعيد، ارتبط أفرادها بالأسرة الحاكمة الخديوية، وتولى جده لأبيه بطرس نيروز غالى  منصب رئيس وزراء مصر فى بديات القرن العشرين.  وقد أتاحت هذه النشأة لغالى التعلم فى أرقى المدارس،إلى أن حصل على اجازة الحقوق من جامعة القاهرة عام 1946، وتمكن بحكم إتقانه أكثر من لغة فى انهاء رسالته للدكتوراه من السوربون الفرنسية، بعد تخرجه بثلاث سنوات فقط، ليعود فى عام 1949 استاذا للقانون والعلاقات الدولية بجامعة القاهرة، ويستمر فى هذا العمل الأكاديمى حتى عام 1977 ليتخرج على يديه  أجيال من الدارسين والباحثين والدبلوماسيين. لم تبعده حياة اليسر والرفاهية التى عاش فى ظلها عن الاستجابة لطموحه العلمى  والمهنى، وتعزيز هذا الطموح بأسباب العلم والمعرفة والثقافة والاتقان.

أما الأستاذ هيكل،فقد انتمى لأسرة من الشرائح الدنيا من الطبقة المتوسطة، حصل على دبلوم التجارة المتوسطة، ولأنه كان يمتلك منذ سنوات شبابه الأولى موهبة فطرية تميزه بسلاسة الأسلوب وجاذبيته،و إرادة من فولاذ،استطاع تحدى ظروف نشأته الصعبة، ليتقن خلال سنوات معدودة اللغة الأنجليزية قراءة ونطقا وكتابة، ليبدأ حياته العملية محررا  عسكريا فى التاسعة عشرة من عمره فى صحيفة ناطقة بالإنجليزية هى الإجيبشيان جازيت، ليصبح فيما بعد بجهده وثقافته الموسوعية، وذكائه الشخصى والاجتماعى والسياسي الذى مكنه من  مواجهة المخاطر والمنافسات، أهم صحفى فى منطقة الشرق الأوسط، ليس لكفاءته فى جلب الأخبار ونشرها فحسب،بل أيضا لمشاركته فى صنعها  على امتداد نحو أكثر من ستين عاما فى مصر والمنطقة العربية، سواء كان قريبا من السلطة أو خارجها، فضلا عن الأدوار التى لعبها  فى تطوير الصحافة المصرية والعربية.

المشترك إذن بين العلمين الكبيرين هو أن العمل والجهد الشاق وأخذ الحياة بنظام صارم، وعدم الاكتفاء بالمواهب الطبيعية أوبالظروف الاجتماعية المهيئة، أو الأخرى المعوقة، هى التى صقلت الكفاءة التى تمتع بها كل منهما،وهى التى  أوصلتهما للمكانة المهنية والسياسية الرفيعة والناجحة فى مشوار حياتهما على امتداد أكثر من ستين عاما.

حول الأستاذ هيكل صحيفة الأهرام إلى مؤسسة لنشر العلم والثقافة والمعرفة، وفى هذا السياق استعان بالدكتور غالى  ليؤسس مجلة الأهرام الاقتصادى  ويرأس تحريرها، كمطبوعة نصف شهرية، تعنى بالقضايا الاقتصادية، وتأثيراتها السياسية على المستويين المحلى والدولى، ثم بعد ذلك فى تأسيس وإصدار فصلية السياسة الدولية، التى سدت فراغا هائلا فى مجال الصحافة المتخصصة، ولعبت دورا مهما، بحكم الاهتمام الرفيع المستوى للدكتور غالى، فى تطوير العلاقات العربية –العربية،والعلاقات العربية –الأفريقية.

انطلق كلاهما، «غالى» و«وهيكل» من رؤية واحدة، سواء فى العمل السياسى او الدبلوماسى، هى تبنى أهداف حركة التحرر الوطنى، القائمة على سياسة عدم الانحياز ورفض الأحلاف والقواعد الأجنبية، والتحرر من الاستعمار، وتبنى سياسات مستقلة، تحقق مصالح الدول التى كانت تعرف بالدول النامية أو المستقلة حديثا.  وكان كل منهما مخلصا لما كان يرى أنه الصواب بصرف النظر عن النتائج التى قد تسفر عنه.  اختلف «هيكل» مع الرئيس السادات، وتمسك بموقفه، وهو يعلم جيدا، أن ثمن ذلك سوف يفقده العمل الذى برع فيه، وأحبه، ولا يستطيع ان يعيش بعيداً عنه، وهو ان يكون صحفيا ممارسا.  وأصر «غالى» على أن يعدل ميزان القرار الدولى فى موقعه كأمين عام للأمم المتحدة، فساند القضايا العربية والفلسطينية بكل ما أوتى من قوة، رغم ادراكه أن ذلك سوف يراكم المشاكل بينه وبين الولايات المتحدة ذات النفوذ الدولى الواسع فى المنظمة الدولية وخارجها، وهو ما حدث بالفعل حين قادت واشنطن حملة شعواء  بضغط من إسرائيل، لعدم التجديد له، ليكون أحد القلائل ممن تولوا هذا المنصب، الذين اقتصر شغلهم له على دورة واحدة فقط.

سخر الاثنان علمهما وكفاءتهما، وعلاقتهما الدولية لخدمة مصالح وطنهما، والتأثير فى الفضاء العام، وفى تنشئة أجيال جديدة من الصحفيين والدبلوماسيين  والباحثين.  فعل هيكل ذلك وهوداخل الأهرام وهو خارجه.  وكان «غالى» من أوائل من نبه منذ وقت مبكر إلى خطورة انعزال مصر عن التأثير فى أفريقيا، وتركها ساحة للنفوذ الإسرائيلى، وتبديد الرصيد الذى شيده عبد الناصر فى القارة السمراء، بما يضر بمصالح مصر السياسية والاقتصادية والمائية، فسعى بدأب لتجميع دول القارة فى منظمات اقليمية مثل «الأندجو» والمنظمة الفرونكوفونية الذى بذل مجهودا ناجحا لضم مصر غير الفرونكوفونية إليها.

ربما يكون كل منهما قد رحل، وهويشعر أنه قد أدى بصدق وأمانة واحساس كبير بالمسئولية الأدوار التى ساقتها إليه اختياراته السياسية، ومواهبه وكفاءته المهنية وغوايته بالاتقان.  لكن الدكتور بطرس بطرس غالى رحل وفى نفسه – كما فى نفس مصريين كثيرين غيره- غصة، لأنه ظل نحو15 عاما فى عهدى السادات ومبارك  ، وزير دولة للشئون الخارجية، ولم تسند له وزارة الخارجية  لسبب مؤلم هو أنه قبطى، لتكون المفارقة هى حرمانه من حق هو جدير به  فى ظل النظام الجمهورى، بينما عرفت مصر الخديوية والملكية رؤساء وزارات ووزراء خارجية مسيحيين بينهم نوبار باشا وبطرس نيروز غالى باشا، وويصا واصف باشا وابراهيم فرج باشا. ومن يقرأ كتاب غالى «طريق مصر إلى القدس» سوف يبكى كما بكيت لرجوعنا إلى الخلف، والعالم من حولنا يقفز إلى الأمام.