تحسنت العلاقات بين «فرنسا» و«إيران» وكلمة السر هى المصالح الاقتصادية.. لذلك نحن أمام فتح صفحة جديدة إيرانية فرنسية، فرغم أن موقف «فرنسا» كان صارِماً للغاية، ولوقتٍ طويل من ايران، حتى انطلاق مفاوضات «جنيف» فى أكتوبر من العام 2013، عندها رغِبت «فرنسا» أن تُظهِر أنها تعتمِدُ موقفاً قريباً من الهواجِس السعودية والإسرائيلية وربما هذا ما جعل الرئيس «روحانى» يستهل مؤتمره الصحفى مع نظيره الفرنسى «فرنسوا هولاند» بالوعود الاقتصادية، والاشارة الى صفقة طائِرات بنحو 25 مليار دولار ومشاريع أُخرى.
كان لافتاً أن «هولاند» الذى كان من بين الأكثر الرؤساء تشدداً فى المُفاوضات النووية، صار يعترِف بدورٍ إيرانى لحل أزمات المنطقة وبينها «سوريا» و«لبنان» و«اليمن»... وكلنا يذكر أن «فرنسا» كانت الأكثر تشدداً مع «ألمانيا» فى المسألة النووية بين الغرب وبين «إيران»، فما الذى تغير؟. بالطبع هى المصالِح التى دفعت «فرنسا» فِعلاً، لهذا الانفتاح على «إيران» الآن... وهناك مقولة تقول، «لا صراعات دائِمة ولا صداقات دائِمة»، ونحن نعرِف أن «فرنسا» تبحث عن مصالِحها أينما كانت هذه المصالِح ولو كانت فى أدغال أفريقيا. فالموقف الذى كانت تتخذه «فرنسا»، فيما يتعلق بفترة المفاوضات النووية، كان مفهوماً للجميع بأنه ناتج من إغراءات «سعودية» وضغوط إسرائيلية لكى لا يتم هذا الاتفاق، ولا نستطيع نسيان الزيارات التى كان يقوم بها الراحل السعودى «الفيصل» إلى العواصِم الأوروبية ومن بينها «باريس» فيُغريهم بصفقات سلاح تصِل إلى حد الـ 12 مليار دولار أو 18 مليار دولار.
ولكن الامر اختلف الآن فهناك إرادة دولية وخاصة أمريكا تريد هذا الاتفاق مع إيران، وما تريده أمريكا تنفذه فرنسا وإنجلترا.. و«فرنسا» التى نعرِفها اليوم، لا تشبه «فرنسا» التى نعرِفها منذ عقدٍ أو عقدين. العالم كله تغير، فهناك لاعبون جُدد دخلوا للساحة الدولية. و«فرنسا» اليوم تعيش أزمة اقتصادية هائِلة، وكل المؤشرات الفرنسية تخترقها مؤشرات الاتحاد الأوروبى لتواجدها فى السوق الأوروبى. اليوم «فرنسا» تعيش فى تناقض بين مسألتين فى رأيى، المسألة الأولى أنها تعلم أن الولايات المتحدة الأمريكية تحتاج، كما فرنسا، لهذا السوق الواعِد، فلن تسمح لها بهامشٍ كبير لتتمكن من الدخول. من ناحية أُخرى، أنها تعلم أن «إيران» مهما انفتحت على «فرنسا» فالدور الفرنسى أصغر بكثير من أى دور، أصغر من الدور الألمانى وأصغر من الدور الروسى وأصغر من الصينى ومن الأمريكى.
وإذا كانت آخر زيارة لرئيس فرنسى إلى إيران تعود إلى أيام «فاليرى جيسكار ديستان» عام 1974. إذاً فليس غريباً أن يكون «ديستان» من بين مستقبلى «روحانى» وقد شكره الرئيس الإيرانى لأنه فى عهد «ديستان» تم استقبال الإمام «الخمينى» لاجِئاً فى «فرنسا»، ومنها عاد لإطلاق الثورة فى «إيران»، أو منفياً.. ومعروف أن أول زيارة رئاسية إيرانية إلى «باريس» كانت عام 2005، قام بها الرئيس «محمد خاتمى» وكانت «فرنسا» رابِع شريك تجارى دولى لـ «إيران» قبل أن تنزِل إلى المرتبة 15 بعد العقوبات، لكن لدى فرنسا كل المقومات لكى تعود إلى لعِب دور فى هذه العلاقة، ولكن هذا الدور الذى ستلعبه، لا يشبه الدور الذى كانت تلعبه فى الماضى لا على المستوى الدولى ولا على مستوى العلاقة مع «إيران». فاليوم ثلث العلاقات التجارية لـ «إيران» هى مع «الصين»، وهى دولة لديها قدرة كبيرة لكى تُكمِل فى هذه العلاقة وتطورها أكثر. وهناك اتفاق مع الصين فى نهاية يناير بقيمة 600 مليار دولار على فترة عشر سنوات وهذا معناه أنهما على طريق التكامل الاقتصادى.. ولكن الواقع الان بين فرنسا وايران يقول ان هناك نوعاً من تبادل الأدوار، دورٌ تقاسمته «فرنسا» ورغبت من خلاله أن تُظهِر لحلفائِها، لاسيما الحلفاء الخليجيين الذين تحتاج إليهم للتوقيع على العقود الاقتصادية، ومفاد هذا الموقف أن «فرنسا» داعِمة لهم وتأخُذ فى الاعتبار انشغالاتهم لكى تأمل، بعد ذلك بالطبع، أن تحصل على تلك العقود.
ولقد رأينا ذلك بشكلٍ سريع حيث إن «لوران فابيوس» قد ذهب فى التاسع والعشرين من يناير، بعد 15 يوماً على توقيع الاتفاق فى «فيينا»، إلى «طهران» ودارت الأمور بشكلٍ جيد، و«لوران فابيوس» كان صارِماً فى موقفه بشكلٍ كبير حيال «إيران» وبالتالى، رغبت «فرنسا» أن تطوى هذه الصفحة على المستوى الاقتصادى. فهناك توقيع عقود مع شركة «إيرباص» رغم انها ليست شرِكة فرنسية لكنها أوروبية، ومع «بيجو» و«رينو»، وبالتالى فالعلاقات عادت إلى طبيعتها نوعاً ما. إنهم الآن فى إطار تذويب الجليد، فلا تطبيع كامل، وخاصة بالنسبة للملفات الشرق أوسطية حيثُ تُعارِض «فرنسا» موقفها على مستوى «سوريا» و«العراق» و«اليمن»، وفى هذه الملفات ترغب «فرنسا» بالطبع فى أن تُقدِم «طهران» مُساهمة إيجابية لحل المشاكِل، وبالطبع الطريق لا يزال طويلاً لحل مُختلف العقبات، فموقف فرنسا فى المناطق المشتعلة بالشرق الاوسط مُختلِف تماماً عن الموقف الإيرانى.. والموقف الفرنسى لا يزال صارِماً بالنسبة إلى دعم موقف « الرياض»، وكل ذلك قد يُزعِج حتى اليوم الإيرانيين. بالتالى قد تكون هناك تدفئة فى العلاقات على المستوى الاقتصادى بين فرنسا وإيران. ولكن على المستوى الدبلوماسى والسياسى التقدم لا يزال محدوداً وشبه متجمد.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض