عاصرت زهوة هذه الصناعة في الأربعينيات والخمسينيات عند إقامة مصنع كابو للملابس القطنية علي شاطئ ترعة المحمودية بالإسكندرية وكان أول مدير للمصنع المهندس كوهين من أنشط رؤساء المصانع وجعل منتجات الشركة في الفانلات والملابس الداخلية من أحسن المنتجات المصنعة بالقطن طويل التيلة من زراعة أيدينا وأراضينا، وظلت تلك الصناعة فخر الصادرات المصرية للخارج حتي ذهبت لأمريكا ودخلت أحد محلات الملابس الكبري في نيويورك ووجدت قسماً خاصاً للمنتجات القطنية المصرية، وكنت فخوراً بالماركة المسجلة صناعة مصرية.
وعاصرت إنشاء مصنع ستيا للغزل والنسيج وكان قريباً من بيتنا وفخرنا به لمنتجاته القطنية والصوفية ورواجها داخلياً وخارجياً حتي إنه قد توسع في مبانيه وعنابره ومعارض صناعاته في مصر وخارجها.
أما مصانع البيضا في كفر الدوار للغزل والنسيج فقد تصادف أن جاورنا في السكن عدد من الموظفين العاملين به وكانت تبدو عليهم النعمة والأناقة والفخر والإعزاز بعملهم في تلك المصانع العملاقة.
أما مصانع المحلة الكبري للغزل والنسيج فقد كنا نمر عليها في سفرنا من الإسكندرية إلي المنصورة رايح جاي وسمعنا الكثير عنها من أحد أبنائنا المهندسين العاملين بها.
تلك صناعة مصرية أصيلة واكبت مسيرة استقلال مصر بزعامات سياسية عظيمة واقتصادية لا تنسي مثل طلعت حرب رائد الاستقلال الاقتصادي صناعياً وبنكياً حتي قامت ثورة 23 يوليو 1952 وأطلق جمال عبدالناصر المسيرة الكبري للاستقلال السياسي عن الاستعمار البريطاني وتحقيق الجلاء عن مصر ورفع وصاية أمريكا والبنك الدولي عن إقامة مشروعه العظيم في السد العالي وتأميم قناة السويس محققاً بذلك نضال الشعوب للتحرر من الاستعمار الغربي سياسياً واقتصادياً ومطلقاً عنان مسيرة شعوب أفريقيا وآسيا وأمريكا الجنوبية في الاستقلال الاقتصادي، وذلك بإصدار قرارات تأميم مناجمها ومشروعاتها الزراعية والصناعية، كما لو كان قرار مصر بتأميم القناة شرارة الانطلاقة العظيمة للاستقلال الاقتصادي لشعوب العالم الثالث التي عانت كثيراً من الاستعمار السياسي والاقتصادي.
وعندما زادت أعداد أعضاء الجمعية العامة للأمم المتحدة بمشاركة الدول المستقلة الجديدة فقد قننت وأعلنت دستورها في تقرير المصير سياسياً واقتصادياً بإصدار العهدين الدوليين covenants للحقوق السياسية والمدنية والاقتصادية والاجتماعية عام 1966 ونصت المادة الأولي المشتركة للعهدين علي حق الشعوب في تقرير مصيرها سياسياً واقتصادياً لمصادر ثرواتها الطبيعية وتصنيعها وتحقيق رخاء شعوبها.
وهذا ما فعلته مصر بنهضتها الاقتصادية قبل تأميم القناة وبعد التأميم بإقامة الصناعات الكبري بداية بالحديد والصلب والصناعات الحربية وتشجيع إنتاجنا الوطني في القطن المصري الشهير في العالم بجودته وتميزه بطول التيلة، الذي كان الخامة الرئيسية للصناعات البريطانية في ليفربول، وكذلك صناعاتنا الوطنية للغزل والنسيج التي حجزنا بسببها مكاناً مرموقاً لمصر في الأسواق الخارجية، ولا تنافسها صناعات أخري.
ولم تتركنا الإمبريالية الغربية والأمريكية بصفة خاصة ننعم بمركزنا المتميز في صناعة الغزل والنسيج والملابس الجاهزة فتسللت إلينا من خلال وفودها من الخبراء بحجة تطوير صناعة الغزل والنسيج في مصر، وكان ذلك بداية تخريب هذه الصناعة وتخريب خصوصية وتميز مصر بقطنها طويل التيلة.
وكان أحد أساتذة هذه الصناعة بكلية الهندسة في جامعة المنصورة شاهداً علي ذلك، إذ حضر إلي نادي أعضاء هيئة التدريس حاملاً مجلداً بمشروع تطوير مصانع المحلة الكبري بأياد وعقول أمريكية ليس لوجه الله وشعب مصر، وقد نشرنا كلامه في مقالنا بجريدة «الشعب» يوم 5 يناير عام 1999، ودارت الأيام للسادس من شهر فبراير 2016 وتنشر جريدة «الوفد» في صفحتها التاسعة عنواناً كبيراً يقول «د. أحمد مصطفي رئيس القابضة للقطن والغزل والنسيج: مؤامرة دولية علي الغزل والنسيج والشركات الحكومية تواجه الموت».. وأرجو من المهتمين بمتابعة أزمات صناعة الغزل والنسيج في المحلة الكبري وشركات الإسكندرية ومن بينها ستيا وفستيا أن يعيدوا قراءة حديث رئيس الشركة القابضة للقطن والغزل والنسيج.