لم يكن بيرم التونسى يصف حاله وحده فى أغنيته البديعة «غنى لى شوى شوى»، التى لحنها الشيخ زكريا أحمد وشدت بها أم كلثوم فى فيلمها الشهير « سلامة»، بل أغلب الظن ، أنه كان يقدم خلاصة شعرية بالغة العذوبة والعمق لما يحدثه الطرب من نشوة وسرور وبهجة فى النفس البشرية، ويستعرض قدرة الغناء السحرية بما ينطوى عليه من صور فنية غنية بالجمال والبهجة والحزن كذلك ،على النفاذ إلى أعماق الإنسان وروحه ووجدانه، وعواطفه ومشاعره، ومعابثة ألمه وفرحه ونزقه، وفشله ونجاحه، بحنو ورفق، فيشيد الغناء بذلك جسورا من الانسجام بين الإنسان وحياته، ويرطب ما بها من عناء ومشقة وخذلان وفقد، ويبعث فيها الأمل، ويحفزها على كل أشكال المقاومة. ففى أغنيته يقول بيرم التونسى :المغنى حياة الروح، يسمعها العليل تشفيه، ويداوى كبد مجروح، تحتار الأطبا فيه، ويخلى ظلام الليل بعيون الحابيب ضى. فما أجمل هذه المعانى التى تجعل الغناء قرينا لبهجة الروح وحياتها ، وشفاء المرضى بتباريح الغرام وصبابته، وقشع ظلام الحياة بنور المحبة وضيائها. وهذا هو بالضبط الدور الخلاب والآسر الذى غدت إذاعة الأغانى تلعبه فى حياتنا.
ولم يكن غريبا أن تحتفل إذاعة الأغانى كواحدة من محطات شبكة الإذاعات المتخصصة باتحاد الإذاعة والتليفزيون ،أمس الأول الخميس ،بحصولها على المركز الأول فى نسب الاستماع على مستوى الجمهورية،طبقا للاحصاء الذى أجرته مؤخرا مؤسسة إبسوس الفرنسية لبحوث الرأى. فـ «الأغانى» التى بدأت بثها فى منتصف عام 2000،بساعات محدودة للبث أخذت فى التطور تدريجيا حتى باتت تعمل على مدار 24 ساعة متواصلة .استطاعت الإذاعة أن تنجح عبر شعارها الذى رفعته «قليل من الكلام كثير من الطرب» واقتدت به بالفقرات والبرامج التى يقدمها ويعدها ويخرجها، بإيقاع سريع ومتنوع، نخبة مميزة من الإعلاميين والفنيين، أن ترضى ذائقة جميع الفئات من جمهور مستمعيها فى مصر والعالم العربى ،والمغتربين العرب فى انحاء دول العالم ،بعد أن أصبح لها موقع على شبكة الاتصالات الدولية ، لتغدو بذلك محطة دولية يستمع إليها فى أنحاء العالم شرقه وغربه.
ملأت «الأغانى» حياتنا بالبهجة والأنس والطرب، فهى معنا أينما نكون فى الطريق وفى مكاتب العمل وفى كل مكان داخل البيت. ليس هذا فحسب، بل باتت موسوعة لمعرفة تاريخ الغناء والموسيقى والألحان فى مصر والبلدان العربية، وللتذوق الموسيقى والغنائى بالتعرف على أسماء الملحنين والمؤلفين وتواريخ وفاتهم وأعياد ميلادهم. فإلى عهد ليس ببعيد كانت الأغنية تنسب لدى المتلقى لمغنيها فقط، وبتنا مع هذه المعرفة نفرق بين المدارس المختلفة فى التلحين والأداء ومؤلفى الأغانى، ونتذوق الأداء المختلف للأغنية الواحدة من أكثر من مطرب وليس هناك أدنى شك أن هذا الدور الذى تلعبه إذاعة الأغانى، قد أعاد الاعتبار للغناء المصرى والعربى الأصيل وارتقى بالذوق العام الذى حاصره وسيطر عليه طوال عقود ضجيج وصخب وخواء يخلو من النغمات والألحان والمقامات والأصوات والمعنى، ولا يجلب سوى الطرش والقبح، بوتيرته الواحدة المتكررة التى تستهدف التنطيط والحنجلة والرقص!
لهذه الأسباب ولغيرها تستحق إذاعة الأغانى أن تكون الأولى فى كل شىء،وأن تحتفل بتفوقها وتميزها، سواء قال ذلك احصاء إبسوس أو لم يقل، فقد صارت مدرسة للارتقاء بالذوق العام، ولوصل الحاضر بالماضى، وفتح آفاق للدارسين لتتبع مظاهر الحياة الاجتماعية فى مصر، ببحث الصلة بين تطور تلك المظاهر وتطور الغناء الشرقى والمصرى، وهى الحقيقة التى أدركتها مبكرا الحملة الفرنسية ، وقتما غزا نابليون بونابرت مصر مصطحبا معه بجانب السلاح والجنرالات، كتائب من العلماء والخبراء فى كافة المناحى المعرفية والثقافية والأثرية، كان بينهم فريق ضخم من علماء الموسيقى، الذين وضعوا فى كتاب وصف مصر تقريرا مفصلا، هو الأول من نوعه، عن الطريقة التى يغنى بها المصريون فى الربع الأخير من القرن الثامن عشر، فى حفلات الذكر والإنشاد الدينى، والأذان فى المساجد، والتسبيح فى الموالد، والطرق المختلفة لتلاوة القرآن الكريم، وغيرها من مظاهر الحياة الاجتماعية التى سادت إبان الحملة الفرنسية .
صنعت إذاعة الأغانى لنفسها حضورا استثنائيا فى حياة المصريين، يلجأون إليها فى أوقات الحزن والفرح والشدة والفرج، ولا أدرى هل تمتلك الإذاعة قطاعا للتسويق أم لا، فإذا لم يكن موجودا أقترح على إدارتها إنشاءه، بطبع تراثها الفنى والغنائى على شرائط كاسيت واسطوانات مدمجة لايزال الطلب عليها قائما، وطرحه للبيع بأحد المنافذ ، بدلا من السطو عليه والمتاجرة فيه من قبل شركات خاصة داخل مصر وخارجها، لاسيما وبعض ما هو مطروح منه فى شركة صوت القاهرة ضئيل ومحدود، وانتقائى، وغير مكتمل، ولا يرقى للحجم الحقيقى لما تملكه الإذاعة من ثراث غنائى متنوع للمطربين والمطربات، من كافة الأجيال والأزمنة،وللبرامج والاوبريتات الغنائية الاجتماعية التى شكلت وجدان المصريين وقيمهم الخلقية والسلوكية، وذائقتهم الموسيقية والغنائية على امتداد عقود ، بل منذ بدأ البث الإذاعى الأهلى فى عشرينيات القرن الماضى ، وصولا لافتتاح الإذاعة المصرية فى 31 مايو 1934 .
وقبل الكوارث التى لحقت بالدول العربية فى السنوات الخمس الأخيرة ،كنا نجد هذا التراث الغنائى بوفرة فى أسواق بغداد ودمشق وبيروت ،ونتعرف على من يبدى استعدادا لتوفير نسخ كاملة لأغانى محمد فوزى وفايدة كامل وشادية ونور الهدى وهدى سلطان وشكوكو وسعاد محمد وسيد درويش وملك ومنيرة المهدية وغيرهم من أساطين الغناء العربى، فضلا عن المواويل والتواشيح والأدوار التراثية لشيوخ الطرب العربى، وإرسالها لمن يدفع تكلفتها أينما يكون.
كما أقترح أن تدرج الإذاعة الأغنية السودانية بمساحات واسعة، وفى أوقات مناسبة ضمن برامجها وفتراتها الغنائية، بعد أن تكرر عتاب أصدقاء سودانيين من أن «الأغانى» تتجاهل تراثهم الموسيقى والغنائى .
متعة للنفس وحياة للروح، وبهجة للحياة ، ومقاومة لليأس والعبوس، ودعوة للبشر والسعادة ، هذا هو الدور الذى تشيعه إذاعة الأغانى فى إيقاع الحياة اليومية للمواطنين، لهذا ارتبطوا بها، واستحقت به عن جدارة أن تتفوق وتكون الأولى فى كل شىء.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض