رئيس حزب الوفد
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس الإدارة
د. خالد قنديل
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس الإدارة
د. خالد قنديل
رئيس التحرير
ياسر شورى

 

 

لم أتعاطف مطلقا مع الحملات التى تريد أن تجعل من جهاز الشرطة، مع كل خطوة يخطوها أوإجراء يتخذه، سواء كان صوابا أو خطأ، مصدرا لكل الشرور والآثام، بعد أن أصبح كل فرد فيها مشروع شهيد، وهدفاً لانتقام جماعة الإخوان وأنصارها من الإرهابيين  ممن يحملون السلاح، وغيرهم ممن يقدمون لهم الدعم المادى والمعنوى بزعم الدفاع عن  الحريات وحقوق الإنسان. ومع أنه قد يكون هناك فرق بين الطلقات الموجهة للشرطة من المتربصين بها بشكل  يومى دائم على امتداد السنوات الخمس الأخيرة، ومنذ اللحظات التى تم فيها بتناسق ملحوظ، اقتحام أقسامها ومراكزها، ونهب محتوياتها وحرقها فى توقيت واحد فى  شتى مدن وقرى الجمهورية، أثناء ثورة 25 يناير، وتهريب عتاة المجرمين من السجون، وقتل حراسها وضباطها، وبين الذين يتحدثون عن الدولة البوليسية من القوى الديمقراطية والمدنية، ويعلقون على شماعة الشرطة كل الخطايا والانحرافات، سواء كانت صحيحة أو متوهمة، ولا يجدون دليلا على ديمقراطيتهم سوى الهجوم الدائم عليها. لكن الواقع اليومى المعاش يكشف  أنها تفرقة تبدو شكلية، فى درجة السوء التى تسفر عن كل من الحالتين، إذ الحقيقة التى تتجاهلها بعض القوى الديمقراطية والمدنية أن مثل هذا التوجه يخدم بقصد أو بدونه، وبوعى أو بسهو، الطرف الأول باقتدار، وتمنحه ورقة إضافية لمواصلة إرهابه وتدميره وتشهيره!

هل معنى ذلك أن الشرطة لا تخطئ ؟ بل هى تخطئ وتتجاوز  فى ظل أجواء ضاغطة وغير مواتية لضبط أدائها، ومطالبتها بوقف تلك التجاوزات بات ضرورة  لحماية أمن أفرادها من جهة، ولدعم الاستقرار المجتمعى  من جهة أخرى، والذى لاينكره سوى مغرض  أوتافه  سفيه، أن  نظام الرئيس السيسى قد حققه بخطوات حثيثة، وتضحيات جسيمة التكلفة البشرية والمالية والمعنوية  كان لا مفر منها، منذ ثورة الثلاثين من يونية حتى الآن. لكن  التفرقة  تغدو واجبة  بين نقد ينحو للمبالغة والإثارة وتضخيم فى الوقائع، وتشويه فى أحداثها، بما يغذى حملات التحريض على أفراد الشرطة، وبين نقد يسعى للإصلاح والبناء. فى هذا السياق يجرى التجاهل  بحسن نية أحيانا، وبسوئها فى أغلب الأحيان، أن الحرب الدائرة لمكافحة الإرهاب، من الوارد أن تنطوى على بعض التجاوزات التى تتعارض مع الاحترام الواجب لحقوق الإنسان. يحدث هذا فى مصر، كما حدث فى الولايات المتحدة والدول الأوروبية، التى وضعت من القوانين الاستثنائية لمكافحة ظاهرة الإرهاب  ما يبدأ بمراقبة الحياة الشخصية لمواطنيها، وبريدهم الشخصى والإلكترونى، وتنقلاتهم الداخلية والخارجية، والتفتيش الصارم على الأفراد والحقائب فى الموانئ والمطارات، والتنصت على هواتفهم الأرضية والمحمولة،  ومتابعة أرصدتهم فى البنوك والمصارف، ولا ينتهى بالقتل فى سوداء القلب لأى مشتبه به، لا يستثنى من ذلك أحد، أيا كان قدره أومكانته.

واقعتان كاشفتان عن حالة الانفعال العصبى الضار والمنفلت، وقبله التربص والتصيد والمبالغة فى التوصيفات، وقعتا الأسبوع الماضى، الأولى: حين أعلنت مصادر بالداخلية، أن نحو أكثر من ثلاثة الآف سجين قد أدوا امتحانات هذا العام. وبرغم انها خطوة تحسب لصالح الداخلية، التى هيأت لهؤلاء المحبوسين الفرصة لتأدية الامتحانات، إلا أن الواقعة تم التقاطها وقنصها للتنديد بالوزارة فى الفضائيات والمقالات والمنتديات، لحبسها للطلاب، وكشفها عن بعض أعدادهم ومطالبتها بالكشف عما تخفيه من أعداد ممن تعتقلهم من الشباب.سألت مسئولاً بمصلحة السجون عن الأمر، فقال إن نحو98% من هؤلاء محبوسين فى قضايا جنائية، واجتهدوا وأكملوا دراستهم أثناء تأدية فترة العقوبة، ولا علا قة لهم بقضايا التعبير عن الرأى!

ولأن المتربصين بالشرطة وأجهزتها، لاتنقصهم الذرائع للهجوم عليها، فقد كانت الواقعة الثانية الخاصة برسام الكاريكاتير «إسلام جاويش» حالة نموذجية لتلك الأجواء المنفلتة وغير المسئولة. فلم يكن احتجاز إسلام بهذه الطريقة غير المقبولة، ثم إخلاء سبيله بعد التحقيق معه، سوى خطأ فى الاجراءات، كان يمكن تفهمه، لو أن روحا تتحلى بالرشد وبقيم المسئولية الاجتماعية، قد قرأت تفاصيله بتمعن  وهدوء، بغية تفهم مبرراته، وتجنب عدم تكراره، بدلا من تحميله أبعادا لم تكن فيه. فالمراقب لعمليات القوى الأمنية فى مكافحة الإرهاب فى الفترات الأخيرة سوف يلحظ تطوراً مهماً فى أدائها، اكتسبته من التعلم من  تجاربها المريرة والمفجعة، يتلخص فى تبنى استراتيجية للهجوم بدلا من الدفاع، والمبادأة، بدلا من رد الفعل، والوقاية بدلا من تلقى العلاج.وواقعة إسلام ترجمة حرفية لذلك.

فالإدارة العامة لمباحث المصنفات، جمعت معلومات عن شبكات اخبارية إلكترونية، تحمل جميعها اسم «أخبار مصر» وبعضها تديره جماعة الإخوان وأعوانها لبث أنباء مغلوطة ونشر شائعات تمس الأمن القومى، وتستهدف إشاعة الفوضى والتحريض على العنف، فاتبعت الطرق القانونية، واستصدرت إذنا من النيابة العامة لتفتيش شقة  لوكالة شبكة «أخبار مصر» التى يديرها شخص يدعو محسن فؤاد، فوجدت فى الموقع بالصدفة الرسام إسلام، فأرادت أن تتحقق من عدم مسئوليته عن مثل هذه المواقع، فحدث ماهو معروف، ولم تكن له علاقة من قريب أوبعيد، مما روج له المدافعون عنه، بأن السبب وراء التحفظ عليه، هومعارضة رسوماته لسياسات النظام القائم، فضلا عن أن الجريمة الإلكترونية، حديثة العهد، وتتبعها باتت عملية شديدة التعقيد!

من يعارضون سياسات النظام القائم موجودون فى كل مكان، يعبر بعضهم عن  آراء تفتقد لأية نزاهة فكرية أو  أخلاقية أو مهنية، داخل مصر وخارجها ، فى الصحف وفى الفضائيات، وفى المنظمات الحقوقية التى تسعى لاسترضاء الغرب لأسباب لا تخفى على أحد،  وفى دوائر صنع القرار فى العالم الخارجى، ولا أحد يعترضهم، طالما  ظل التعبير عن تناقض أهدافهم الشخصية، مع أهداف المجتمع، سلمياً.

لكن يبقى على الأجهزة  الأمنية أن تعطى أهمية كبيرة  للكفاءة المهنية فى عمليات البحث والتحرى، وفى السلوك الشرطى فى التعامل مع المواطنين، لكسب ثقتهم. ولعله بات من الضرورى أن تنشر النيابة العامة التحقيقات التى جرت مع الشباب المحبوسين، كى يعرف الرأى العام، أيهم مسجون رأى، وأيهم وجهت له تهم جنائية، كى تنزع الشرطة أحد أبرز الأسلحة التى تستخدم للتحريض عليها.