أحلي البلاد بلدي الإسكندرية، فقد تجولت بالسيارة في كل شواطئ أوروبا، مرة بسيارة ألمانية اشتريتها من مدينة كارلزروة التي تبعد عن نهر الراين مثلما تبعد كفر الدوار عن إسكندريتي، لدرجة الذهاب إليها بالدراجة في شتاء 1969 من مدينة ستراسبورج الفرنسية علي ذات نهر الراين العظيم.
ثم رزقني الله بصديق عزيز يعمل في مدينة ميونخ وأوعز إلىّ أن أسافر معه في ربيع 1970 لشراء سيارة مستعملة، فذهبت معه واشتريتها جميلة بنت حلال، إذ دفعت فيها ألفي مارك ألماني فقط، وسرحت بها في ألمانيا وفرنسا وإيطاليا وسويسرا، ومررت علي السواحل الفرنسية والإيطالية واليونانية وكنت أقول لها جميعاً.. يا حليلك يا إسكندرية التي عدت إليها بالسيارة التاونس، وسرحت بها مع أولادي بكل شواطئها حتي مرسي مطروح فلم أجد مثل رمالها الحنونة وليس مثل شاطئ مدينة نيس الفرنسية مثلاً أو شواطئ إيطاليا واليونان أو الدانمارك التي تضيق فيها مساحة الرمال الناعمة وتكثر فيها حصى البحر التي يرميها الموج علي الشاطئ.
وكانت السيارة التاونس 12 إم، سيارة مبروكة أخذتني معها لجولة أوروبية منفرداً ثم حباني ربنا بصحبة زوجتي في سيارة بيجو فرنسية جديدة سرحنا بها في اليونان ويوغوسلافيا وسويسرا وألمانيا وإيطاليا، وحتي أكون صادقاً فإن أحلي شاطئ نزلناه كان شاطئ نهر الدانوب في فيينا عاصمة النمسا، وكان مكتظاً بالسابحين والسابحات بالمايوهات البكيني والشمس ساطعة، حلوة حلاوة الطبيعة والنمساويات الفاتنات مع زوجتي أراها أكثر جمالاً وهي ترتدي فستانها وتداعب مياه الشاطئ بقدميها حتي هبت ريح باردة فجأة مع غياب الشمس، فأسرع الجميع بالخروج من المياه وارتداء الملابس مع رذاذ مطر خفيف، واستبدلنا بحر فيينا بجولة في حدائقها الجميلة بكل ورودها وأزهارها كما وصفتها الفنانة أسمهان رحمها الله في أغنيتها الجميلة «فيينا روضة من الجنة».
لا أريد أن أبتعد كثيراً عن الإسكندرية الجميلة التي تجولت بها اليوم الخميس آخر أيام السنة وسرت في طريق الحرية من الإبراهيمية حتي السلطان حسين، ثم سعد زغلول فالكورنيش والشاطبي، وكانت المطرة الرقيقة تداعب زجاج السيارة برفق والجو منعش ولا أثر في الشوارع لسيول أو تجمعات مياه، كما حدث فيها منذ شهر أو أكثر، ونشرت الصحف صور شوارعها الغارقة في مياه المطر الغزيرة، وامتنعنا عن النزول من البيت حتي جاءتنا نوة رأس السنة بأمطار لا بأس بها، ولكن البلاعات شفطت المياه بسرعة بعد أن تم تنظيفها بجهد واضح، من جانب المحافظة التي انتقدنا تقاعسها وإهمالها في النوة السابقة، وكانت محافظتنا عندها دم.. فانتفضت لتهيئة الإسكندرية لاستقبال الأمطار التي أحبها عندما تتساقط علي الأشجار والأزهار من حولي في طريق الحرية ويدعوني جمالها للنزول من البيت يوم الخميس الماضي والتجول في شوارعها وميادينها، ولساني يقول ما يقوله إخواننا السودانيون «يا حليلك يا إسكندرية».