مع كل ما يقوله السياسيون حول الأزمة السورية إلا أننى مازلت أشارك رأى الرئيس «بوتين» الذى أعلنه مؤخرا على «عدم جواز تحديد مستقبل نظام الدولة السورية من الخارج، فهذا لا يفعله إلا الشعب السوري بنفسه». ولكن للأسف أن الواقع يقول عكس ذلك على طول الخط ؛فمن المعروف أن التدخلات الاقليمية والدولية فى الشأن السورى كثيرة ومتشعبة؛ وخاصة فى إمداد العناصر المتصارعة بالسلاح ؛والرياض وقطر لم تكن المشكلة الوحيدة أمام التوقف عن تسليح الجماعات المتطرفة في سوريا، فالاستخبارات الأمريكية جمعت معلومات تثبت بأن حكومة أردوغان دعمت جبهة النصرة لسنوات، وأنها تقوم بالشيء نفسه مع داعش. بل إن الامر يتجاوز هذا الى حد أن الرئيس الامريكى أوباما لم يستمع إلى تحذيرات وكالة الاستخبارات الدفاعية حول ما يحدق من مخاطر في حال الإطاحة بالرئيس الأسد.
وهناك تقييم سرّي أعدته الاستخبارات الدفاعية الأمريكية في العام 2013، لم يعره البيت الأبيض أى اهتمام. فما بدأ كبرنامج سري أمريكي لتسليح «المعتدلين» ممن يقاتلون الأسد تحول بمساعدة تركية إلى تدفق للسلاح والمقاتلين والتقنيات واللوجستيات إلى «المعارضة المسلحة»؛ بما في ذلك جبهة النصرة وداعش. وقد قال المدير السابق لوكالة الاستخبارات الدفاعية «مايكل فلين» : «إنه لو عرضت التقارير الاستخباراتية الحساسة التي كنا نصدرها عن النتائج الوخيمة لسقوط الأسد في هذه الحالة لقامت القيامة»!.
والايام أثبتت أنه لا توجد معارضة معتدلة تقاتل الأسد، والولايات المتحدة تسلّح المتطرفين الذين يسيطرون على المعارضة المسلحة، وتركيا هي المنفذ لتطبيق سياسة أوباما تجاه سوريا وتنفذ أكذوبة تسليح معارضة معتدلة. ومازالت الافعال مختلفة تماما عن الاقوال ؛وبعيدة تماما عن الحل. وللأسف إن هاجس رحيل الأسد الذي استسلمت له الولايات المتحدة أعمى بصيرة البيت الأبيض عن البديل. «أي بديل هو أفضل من الأسد» خاصة أن البديل يعنى المتطرفين الذين يسيطرون على المعارضة..
والغريب أنه مع كل الهجوم العالمى على النظام السورى نجد أن القيادة العسكرية السورية لم تنقطع علاقتها بقيادات عسكرية كثيرة في العالم، على رأسها الألمانية والروسية. والأغرب أنه مع تدفق المعلومات حول أماكن تواجد المتطرفين ونواياهم اتجاه الجيش السوريا، إلا أن أحدا لم يستخدم هذه المعلومات والنصائح التكتيكية المتوفرة. ومع أن رئيس مستشار هيئة الأركان المشتركة السابق أعترف أن الرئيس الأسد كان متعاوناً مع الأمريكيين في مكافحة الإرهاب وحركة الإخوان المسلمين في سوريا وألمانيا، و أن استخباراته أحبطت هجوماً للقاعدة على قيادة الأسطول الخامس في البحرية الأمريكية في البحرين، إلا أن واشنطن في المقابل كانت فظّة معه «وخرقاء في التعامل مع (المعلومات الاستخبارية) التي كان يرسلها للأمريكان». وقيل إن هيئة الأركان المشتركة أرادت من دمشق في المقابل منع حزب الله من مهاجمة إسرائيل، وإحياء المفاوضات المتوقفة مع تل أبيب حول الجولان، والقبول بمستشارين عسكريين روس وغير روس على أراضيها، والالتزام بانتخابات بعد الحرب تشكل مروحة من الفصائل السورية (المعارضة). وكل ما طلبته سوريا لم يخرج عن أنها أرادت تأكيدات بأن الأمريكيين وغيرهم جادون في طرحهم للمساعدة. ولكن للاسف أنه فى الوقت الذى كانت تقوم فيه وكالة الاستخبارات الدفاعية أرادت بطمأنة الأسد. كانت وكالة الاستخبارات المركزية تدير عمليات نقل الأسلحة من ليبيا إلى تركيا ثم إلى المقاتلين المتطرفين في سوريا، وما كان من سبيل لوقف ذلك لأنه بطلب مباشر من الرئيس أوباما. وجاء تدفق ودخول الأسلحة والمسلحين في وقت دقيق جداً، كان الجيش السوري فيه يتلقى ضربات قوية من النصرة وداعش. ولكن ما إن أثمرت الخطوة تقدماً للجيش السوري على الأرض، حتى قامت السعودية وقطر وتركيا بضخ الأموال للنصرة وداعش، وانعكس ذلك سيطرة للتنظيمين على جهتي الحدود السورية العراقية. تفاقمت سيطرة التنظيمات المتطرفة في سوريا وباءت محاولة وكالة الاستخبارات الأمريكية تدريب مقاتلين»معتدلين» (أقل من 100) لقتال داعش والنصرة بالفشل.
اتجهت الـ«سي آي آي» إلى جمع قادة الاستخبارات العربية (السنيّة) في محاولة منها لإقناع السعودية بوقف دعم المتطرفين في سوريا. ولكن تركيا ظلت تلعب على زعزعة التوازن في الشرق الأوسط، وهو حلم أردوغان لإعادة السلطنة العثمانية. وعلى عكس أوباما والقيادة المدنية الأمريكية، تلتقي موسكو وهيئة الأركان المشتركة ووكالة الاستخبارات الدفاعية الأمريكية على نقطة واحدة؛وهى لا توجد معارضة معتدلة في سوريا..كلهم إرهابيون يشكلون ما يشكلونه من تهديد على المحيط السوري وأمريكا وروسيا وأوروبا وأبعد من ذلك. وما زال أوباما يصر على نقاطه الأربع: على الأسد الرحيل، ولا إمكانية للتحالف مع روسيا لضرب داعش، وأن هناك معتدلين يمكن لأمريكا أن تدعمهم في سوريا، وأن تركيا، التي خاطب رئيسها أردوغان بالقول «نحن نعرف ما الذي تفعلونه للأصوليين في سوريا»، حليف مخلص للولايات المتحدة. والحقيقة أن الكل يرى وأوباما لا يريد أن يرى. والمسعى العسكري الأمريكي تجاه الأسد اختفى مع تقاعد الجنرال الأمريكي مارتن ديمبسي الذي خلفه على رئاسة هيئة الأركان المشتركة الجنرال جوزيف دانفورد صاحب مقولة «إن روسيا تهدد الوجود الأمريكي». لذلك أصبح لدى أوباما «بنتاجون» أكثر إذعاناً له، ولن تكون هناك محاولات غير مباشرة من المستوى العسكري ضد سياسته تجاه الأسد ودعمه لأردوغان. ويبقى الحال على ما هو عليه ضرس بلا طحن، وأزمة بلا حل.. والنتيجة دمار دولة وضياع شعب.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض