رئيس حزب الوفد
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس الإدارة
د. خالد قنديل
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس الإدارة
د. خالد قنديل
رئيس التحرير
ياسر شورى

 

 

لم يشأ عام   2015 أن  يمضى دون أن يتحفنا ببعض  مساخره ومشاهده العبثية التى يكتنفها شىء من الغموض، وتهنئ مناخا مفعماً بالقلق والحيرة والشكوك ، وتطرح أسئلة  بلا حصر، لا إجابات  واضحة عنها ، فى القلب منها: لماذا يشعر قطاع كبير، لا يجب الاستهانة به، من المواطنين  بعدم الرضا، ممن منحوا ثقتهم ودعمهم للنظام القائم، ولجيش بلادهم وقوات أمنه، ودافعوا عن مؤسسات الدولة، فى مواجهة من كانوا يسعون لهدمها وتفكيكها، وهم من شاركوا فى إسقاط نظامين، عزز أحدهما بقاءه فى السلطة  بسطوة أمنية، فيما التحف الآخر بشعارات دينية يبرر بها استبداده  وجهله وفشله واجتراءه على مقدرات الأوطان .

ففى الوقت الذى يجرى فيه التساهل مع جماعات تشيع فى المجتمع أنماطا متطرفة من التدين، ويتم استرضاء – ولا أقول استجداء- المؤسسات الدينية الرسمية المحافظة، يساق الباحث اللامع والمجتهد فى الشأن الإسلامى «إسلام البحيرى» إلى السجن. أما الجناية التى ارتكبها فهى اجتهاده فى قراءة  مغايرة  لتراث الفقهاء والمفسرين الإسلاميين، الذين هم بشر مثلنا، وهو اجتهاد تم  تكييفه قضائيا باتهامه بازدراء الأديان، ورفض طلب هيئة دفاعه بوقف تنفيذ الحكم بحبسه عاما حتى يتم نقضه. وليس سرا أن مشايخ الأزهر ودعاته، ومن يطلقون على أنفسهم علماء الدين، هم الذين قادوا الحملة على «إسلام بحيرى» ليس فقط بالتحريض على محاكمته بل والتضييق عليه  ومنعه من العمل ، بتهديد القنوات التى يبث منها برنامجه، هذا طبعا بعد تكفيره وحل دمه!

وبينما يقبع «إسلام بحيرى» فى السجن، يرفل الدكتور «ياسر برهامى» نائب رئيس الدعوة السلفية بنعمة الحرية، ووسائل الإعلام المختلفة تتداول البيان الذى أصدره ينعى فيه للأمة الإسلامية  «زهران علوش» أحد كبار الإرهابيين، وقائد ما يسمى «جيش الإسلام» فى سوريا  والذى قتل فى غارة روسية قبل أيام، ويصفه بالشهيد وبأحد أفاضل الدعاة من أهل العلم والقادة المجاهدين على منهج أهل السنة والجماعة. هذه اللوعة  والحزن والتبجيل هى على أحد المساهمين فى تخريب سوريا، ودفعها فى اتجاه حرب مذهبية، وتعريضها لأطماع دولية باتت تهدد بتقسيمها. برغم المآسى التى ارتكبها تنظيم علوش، بقتل مئات الأبرياء من السوريين بالقنابل والصواريخ التى أمطر بها العاصمة السورية دمشق، فإن برهامى يقدم تبريرا لأعماله الإرهابية ، ويمنح القداسة  لمن يقومون بتلك الأعمال. والغريب أن أحدا  من مشايخ ودعاة الأزهر وعلمائه ممن لاحقوا «إسلام بحيرى» وتسببوا فى سجنه وتكفيره  لم ينزعج من ذلك، بل إن برهامى صار كائنا فضائيا ينشر أفكاره المتطرفة والطائفية والداعية للفتن الدينية والخارجة عن القانون دون مساءلة من أحد!

وما كاد المصريون ينهون الاستحقاق الأخير من خارطة  المستقبل بانتخاب مجلس النواب الجديد، لتدخل الحياة السياسية فى مرحلة الفعل والإنجاز والعمل، حتى كانت المفاجأة من العيار الثقيل، بصدور قرار من وزير التعليم العالى، بإلغاء نتائج أول انتخابات طلابية تجرى منذ ثلاث سنوات، بزعم القبول بطعن اللجنة المشرفة عليها فى بعض اجراءاتها، لتدخل الحكومة فى أزمة مع القطاع الطلابى، الذى يعلن رفضه لخوض انتخابات الاعادة، ويتمسك بالنتائج الملغاة، ليتلقف الإخوان  وأنصارهم فى الداخل والخارج، والمتربصون وداعموهم الدوليون والاقليميون والمحليون، السجال الدائر حول الرؤى الأمنية التى غدت تمسك بمفاصل الدولة وتتحكم فى مساراتها ومصائرها، لتعزيز توجهات من ينتقدون التضييق على الحريات الديمقراطية فى المجتمع المصرى، والمروجون لما يسمونه بعسكرته.

ولم يكن ينقص تلك الأجواء المحبطة سوى اقتحام مجموعة من شرطة المصنفات الفنية لا تحمل إذنا بالتفتيش، لدار ميريت للنشر لصاحبها «محمد هاشم» المرشح فى الانتخابات النيابية الأخيرة، وإلقاء القبض على أحد العاملين بها - أخلت النيابة سبيله بعد ساعات - وقامت بتفتيش الدار وفحص أجهزة الكمبيوتر والتراخيص الخاصة بالدار، كما أغلقت جاليرى «تاون هاوس» ومسرح «روابط» بوسط البلد، دون أن يعنى أحد بذكر الأسباب التى ادت  إلى ذلك، لتشتعل وسائل التواصل الاجتماعى بالشائعات والتخمينات والاستنتاجات، التى تهيل التراب على انجازات كبرى يجرى تحقيقها بالعرق والدم والتضحيات الجسام ، فى مجالات محاربة الإرهاب ، وإعادة بناء الدولة، بترسيخ سياسة الاعتماد على الذات فى توفير احتياجات مواطنيها، وتحرير الارادة الوطنية من أعباء الاعتماد على الخارج،وتضع الأجهزة  الأمنية فى مرمى النيران من جديد، باعتبارها  مسئولة عن هذا المناخ الظلامى الذى يعيد إنتاج أساليب أمن مجتمع ما قبل الثورتين الشعبيتين فى يناير ويونيو، التى كان التمرد عليها واسقاطها، أحد الأسباب الرئيسية لاندلاعهما. تزامن مع ذلك ورافقه منع الإعلامى والنائب توفيق عكاشة من الظهور فى الفضائيات، ومن تقديم برنامجه اليومى فى قناة الفراعين ، بعد الهجوم الذى شنه على  تزايد دور الأجهزة الأمنية  وتدخلاتها فى إدارة الشأن العام .

بعد ثورة الثلاثين من يونيو ، تفتحت أبواب الأمل والمستقبل أمام المصريين على مصراعيها، وتراجعت مشاعر الخوف على الحاضر والمستقبل، وبات ما كان يبدو من المستحيلات حقيقة واقعة على الأرض، بحفر وتشغيل قناة السويس الجديدة، وتمهيد ومد شبكات هائلة من الطرق، وافتتاح مشروعات تستوعب اعدادا من  العاطلين عن العمل، والبدء فى تشييد مدينة دمياط الاستثمارية الصناعية ، وفتح باب الحلم على مداه ، بجعل أرض واحة الفرافرة ساحة لسد الفجوة الغذائية فى المحاصيل الزراعية الرئيسية، فضلا عن انحسار موجات الإرهاب، وتقريب الأحلام المؤجلة  بتعمير سيناء وتنميتها وجعلها فى سياق الممكن، والسعى الحثيث لسد الثغرات التى ينفذ منها الفساد، وغيرها من المشاريع التى تمنح المصريين الثقة فى النفس فى تحدى الصعاب ، وتزيح عنهم مشاعر الخوف ، وتزرع فى نفوسهم طاقات الأمل والعمل والرغبة فى تعظيم الإنجاز.

لكن ما يبعث على الأسى حقا، هذا الهلع الذى انتاب الأجهزة الأمنية من دعوات صبيانية للتظاهر والاحتجاج فى 25 يناير،يتعهد المواطنون، بعد أن سئموا منها، بالتصدى لها بأنفسهم، ولم يكن الأمن فى حاجة إلى اللجوء لسلوكيات تعيد للأذهان دولة الخوف التى أشاعها حبيب العادلى، دون ادراك أن إفساد العلاقة التى التأمت بين المواطن والأمن بعد 30 ثورة يونية، هى خطة إخوانية بامتياز!