بعد يومين من استضافة العاصمة السعودية الرياض لمؤتمر لعناصر من المعارضة السورية وبعد ساعات قليلة من إعلان وزارى الخارجية الأمريكى والروسى الثلاثاء الماضى، عن عقد اجتماع لوزراء خارجية المجموعة الدولية لدعم سوريا فى نيويورك - عقد أمس الجمعة – الذى يمهد لإصدار قرار من مجلس الأمن بشأن التسوية للأزمة السورية، أعلنت السعودية بشكل مفاجئ، عن تشكيل التحالف الإسلامى العسكرى لمواجهة الإرهاب تحت قيادتها، ويضم 35 دولة آسيوية وأفريقية وعربية بينها مصر. وبرغم أن وزير الخارجية السعودى عادل الجبير أكد أن التحالف ليس سنيا ولا شيعيا، فإن هذا التأكيد لا ينفى أنه تجمع لمجموعة من دول الإسلام السنى، الذين طالما دعتهم واشنطن لتشكيل حشود سنية لمحاربة الإرهاب. وفى الوقت الذى يؤكد فيه البيان التأسيسى للتحالف الجديد أنه تحالف عسكرى لتنسيق ودعم العمليات العسكرية لمحاربة الإرهاب، ولتطوير البرامج والآليات اللازمة لدعم تلك الجهود، ينفى فيه وزير الدفاع السعودى الأمير «محمد بن سلمان» طبيعته العسكرية قائلا أنه «ليس تحالفا عسكريا، ولكنه جهد لتنسيق الجهود» وأنه لا يتبع منظمة التعاون الإسلامى، رغم أن البيان يؤكد تأسيس التحالف على مبادئ وأهداف ميثاق منظمة التعاون الإسلامى.
التحالف العسكرى الجديد، الذى اعتذرت عمان عن المشاركة فيه، وغاب عنه العراق وسوريا والجزائر، يثير من الأسئلة أكثر مما يقدم من اجابات. وليس سرا أن السعودية باتت تستريب من الحوار الروسى الأمريكى بشأن التسوية فى سوريا لاسيما مع التقارب الأمريكى مع موسكو بشأن نظام بشار الأسد، الذى يؤكد بوتين أن تغييره هو اختصاص للسوريين وحدهم، وهو نفس المعنى الذى أكده وزير الخارجية الأمريكى جون كيرى، عقب اجتماعه فى موسكو مع الرئيس الروسى بقوله أن «الولايات المتحدة وحلفاءها لا يسعون إلى ما يسمى تغيير النظام» بينما تؤكد السعودية ليل نهار رفضها لأن يكون بشار الأسد طرفا فى أى تسوية، هذا فضلا عن الاتفاق بين موسكو وواشنطن على قائمة منظمات إرهابية يتم استهدافها بينها منظمات داخل سوريا مدعومة خليجيا.
فهل يسعى التحالف العسكرى الإسلامى لتكوين كتلة تصوتية تعرقل أى مبادرة روسية - أمريكية تدرج النظام السورى فى خطط التسوية؟ وما جدوى محاربة إرهاب بات يتقنع بالدين بتحالف عسكرى دينى وطائفى؟ وهل يقدر على مواجهة الإرهاب خليط من الدول المتباينة فى الحجم والقوة العسكرية والمواقف، وبعضها لا يربطه شىء بالدول العربية سوى الديانة وبعضها الآخر عضو فى التحالف الأمريكى الوهمى ضد داعش؟ وإلى أى مدى تتوحد الارادة السياسية للدول المنضوية فى التحالف من أجل محاربة إرهاب هو فى الأصل ظاهرة عربية غدت عابرة للدول والقارات، وما هى الاستراتيجية التى يمكن أن يتوافق حولها هذا الحشد المتنافر من الدول لمحاربته؟ ألا يرفع هذا التحالف العسكرى الطائفى من وتيرة الحرب المذهبية فى المنطقة والتى باتت تكتوى بنارها العراق وسوريا ولبنان واليمن؟ وما هى المصلحة العربية فى استفزاز إيران والأزمة اليمنية أمست عصية على الحل العسكرى، وشروط التسوية السلمية أصبحت مستحيلة إذا لم تدرج طهران فى مفاوضاتها؟ ومن قال إن تركيا وقطر والسودان مؤهلة لمكافحة الإرهاب وهى دول متهمة بدعمه وتمويله؟ وأين يقف هذا التحالف من القوة العربية المشتركة التى أقرتها القمة العربية فى مارس الماضى، أم لعله بديل لها؟ وما هى مصلحة مصر فى أن تكون شريكا فى هذا التحالف المرتبك والشائه، وعلى حدودها الغربية فى ليبيا المجاورة يستوطن تنظيم داعش ويمد أذرعه فى الحرب الدائرة على الإرهاب فى سيناء، والاستعدادات تجرى على قدم وساق لبناء قاعدة عسكرية بحرية وجوية وبرية تركية فى قطر، فمن نظن يكون هو العدو؟ وإذا كانت باكستان تنتظر مزيدا من التفاصيل لتحدد مدى مشاركتها فى التحالف، وعمان ترجع عدم مشاركتها فى التحالف لحظر دستورها مشاركة القوات المسلحة العمانية خارج حدود مجلس التعاون الخليجى، فإن المادة 152 من الدستور المصرى تحظر ارسال القوات المسلحة فى مهمة قتالية خارج حدود الدولة، إلا بعد أخذ رأى مجلس الدفاع الوطنى، وموافقة مجلس النواب بأغلبية الثلثين، وهو أمر يعزز معارضة الأحزاب والقوى السياسية المصرية لخروج جندى مصرى واحد خارج الحدود،فما مدى التزام الحكومة بذلك؟
فى سياق شرحه لأبعاد التحالف الذى تقوده بلاده، قال وزير الخارجية السعودى أنه يهدف أيضا لمحاربة الفكر المتطرف، بحيث يشمل المربيين الدينيين والقادة السياسيين، لنشر رسالة تسامح واعتدال، وحماية الشباب من التطرف. فهل يعنى ذلك ادراكا، ولو متأخر، بأن الحلول الحربية وحدها لن تقضى على الإرهاب، وأن جهدا كبيرا ينبغى أن يبذل فى المجتمعات العربية لتجفيف مصادر تمويله الرسمية والأهلية، وغلق منافذ الترويج له فى المساجد والزوايا ووسائل الإعلام، والمناهج الدراسية والبحث عن حلول عادلة لمنح الأقليات الدينية حقوقها، وتجديد الخطاب الدينى بما ينزع عن الإرهابيين تفسيرهم المريض للنص الدينى كى يحل لهم القتل والنحر وسبى النساء وسرقة ثروات الشعوب باسم الله؟
تلك كلها أسئلة ومخاوف مشروعة من التحالف العسكرى الجديد، الذى تكشف ملابسات تشكيله وطبيعته عن فرص ضئلة بل معدومة لنجاحه أو لاستمراره. والتجارب التى خاضتها دول المنطقة خلال السنوات الخمس الماضية، ينبغى أن تكون قد علمت من بيدهم الأمر أن جلب التدخلات الخارجية لحل مشكلها الداخلية، قد ساهم ليس فى تأجيج تلك المشاكل وتعظيمها فحسب، وزرع عوامل الإرهاب فى أوساطها، بل فتت الدولة الوطنية بحروب أهلية طائفية ومذهبية لنهب ثرواتها، وما فعله الغزو الأمريكى فى العراق، وحرب حلف الأطلنطى فى ليبيا، خير شاهد على ذلك، وهو نفس السيناريو الذى تسعى واشنطن وحلفاؤها من الدول الغربية إلى تنفيذه فى سوريا، لتنتقل منها إلى بقية دول المنطقة، التى لم يعد أمامها سوى العودة للتمسك بتشكيل القوة العربية المشتركة، لحل مشاكلها بيدها لا بيد واشنطن!
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض