رئيس حزب الوفد
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس الإدارة
د. خالد قنديل
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس الإدارة
د. خالد قنديل
رئيس التحرير
ياسر شورى

رسالة حب

لم يكن دومينيك دوفيلبان رئيس وزراء فرنسا السابق وحده الذي صرخ وحذر من السياسة التي ينتهجها حكام أوروبا ولم يكن دوفيلبان وحده الذي أدلي بشهادة حق عندما قال إن تنظيم داعش هو المولود المشوه للسياسة الغربية المتغطرسة والمتقلبة.. ولكن هناك رجالاً أصحاب ضمائر .. صحيح أنها ضمائر لم تكن حية لأنها لو كانت كذلك لدفعت أصحابها إلي اتخاذ مواقف تتسق مع ضمائرهم مهماكلفهم ذلك.. ولكنهم أصحاب ضمائر متخاذلة.. شعروا بشيء من تأنيب الضمير فنطقوا بدافع من الإنسانية التي تحركهم في بعض الأحيان خاصة عندما يفقدون مناصبهم.

ومن هؤلاء الفريق مايكل فلين مدير وكالة المخابرات العسكرية الأمريكية السابق الذي اعترف مؤخراً بالجريمة التي ارتكبها جورج بوش الابن وتابعه توني بلير وقادة التحالف الذين ضربوا العراق وأسقطوها.. قال الجنرال الأمريكي إن غزو العراق ذلك البلد العربي كان خطأ فادح سيجلب عقابا قاسيا ، مؤكدا أنه لو لم تقم الولايات المتحده بغزو العراق لما ظهرت منظمة داعش.. وأضاف الجنرال فلين الذي شغل منصب قائد العمليات الأمريكية الاستخباراتية في حرب العراق أن ما حدث كان خطأ فادحاً.. فمهما كان صدام حسين قاسيا فإن القضاء عليه كان غير صحيح، ولم يتوقف الجنرال الأمريكي في الحوار الذي أجرته معه مجلة دير شبيجل الألمانية عند هذا الحد ولكنه تطرق إلي الحالة الليبية حيث قال إن الشيء نفسه يخص القذافي في ليبيا التي باتت دولة فاشلة.. وتناول في حديثه أخطاء أخري بحسب وجهة نظره حيث وصف قيام الولايات المتحدة بالإفراج عن أبو بكر البغدادي بعد القبض عليه في عام 2004 بأنه كان خطأ.

واختتم الجنرال فلين شهادته قائلاً: إن الدرس التاريخي يتلخص في أن غزو العراق استراتيجياً كان قراراً سيئاً بشكل لا يصدق وسيعاقبنا التاريخ ولن يكون متساهلا تجاهنا.

وطبقا للتقرير الذي نشره موقع روسيا اليوم فإن الفريق مايكل فلين خدم عام 2004 وحتي 2007 في أفغانستان والعراق حيث ترأس المخابرات بالاشتراك مع قيادة العمليات الأمريكية الخاصة، وأشرف علي العديد من المهام الكبيرة من بينها البحث عن أبومصعب الزرقاوي زعيم القاعدة في العراق. 

وإذا ربطنا تصريحات الفريق مايكل فلين التي أدلي بها منذ ساعات مع تصريحات أخري سابقة أدلي بها في شهر أغسطس الماضي حول نفس الموضوع فإن الصورة تكاد تكتمل.. فقد نقلت مجلة «بيزنس انسايدر» الأمريكية عن المسئول الأمريكي قوله إن الولايات المتحدة كانت تعتقد أن المتطرفين سيتمكنون من الحصول علي ملاذ آمن كبير في سوريا في وقت مبكر من عام 2012 لكن ما فعلته لمنع حدوث هذا الأمر كان قليلاً، وأكد أن واشنطن كانت علي علم بقدوم داعش لكنها تقاعست خلال السنة الأولي من الحرب السورية.. وقال أعتقد أننا خسرنا وفجرنا الوضع تماما منذ البداية.. إلي هنا انتهت شهادة الفريق مايكل فلين الذي يعد واحداً من أهم رجال المخابرات الأمريكية في الفترة الأخيرة.

وإذا كانت شجاعته وشهادته واعترافاته هذه تستحق التقدير لأنه ببساطة كان يمكن أن يفعل كما فعل الكبار وفي مقدمتهم السفاح بوش الذي لا يعرف معني الإنسانية ولا يحركه أي ضمير والكثير من أتباعه وحلفائه وجنوده.

ولكن تبقي عدة ملاحظات علي شهادة الجنرال.. أولاها أنه أكد أن داعش صناعة أمريكية بداية من حديثه عن إطلاق سراح البغدادي مؤسس تنظيم داعش بعد القبض عليه في 2004، وإذا كان قد وصف عملية الإفراج بأنها خطأ فإن الوصف في هذه الحالة منقوص.. والصحيح أن عملية الإفراج عن البغدادي كانت خطأ مقصودا لأن البغدادي تم تجنيده أثناء فترة القبض عليه وتم إطلاق سراحه لتنفيذ المخطط الذي تم الاتفاق عليه وهو تأسيس منظمة داعش لتكون فزاعة للسنة والشيعة في الشرق الأوسط وتساعد في تنفيذ مخطط تقسيم سوريا والعراق وتشوه صورة الإسلام في أنحاء العالم.. وإذا ربطنا بين تصريحات الفريق مايكل فلين حول البغدادي وبين تصريحات جون بايدن نائب الرئيس الأمريكي التي اعترف فيها بأنه تقابل مع أبو بكر البغدادي تكون أركان الجريمة الأمريكية قد اكتملت باعترافاتهم وأقوالهم وليس بأقوال الآخرين.

أما الملاحظة الثانية فهي قوله بأن الولايات المتحدة كانت تعلم بقدوم داعش إلي سوريا ولكنها تقاعست.. ولم يكمل الجنرال الأمريكي المشهد وكان الأجدر به أن يقول إن هذا التقاعس كان مقصودا حتي تتحول سوريا والعراق إلي مسرح للعمليات وبعدها تكون الفوضي والتدمير والضياع والتقسيم .

أما الملاحظة الثالثة فهي الكلمات التي استخدمها مدير المخابرات في وصفه للأحداث.. فعندما يقول مثلا إن غزو العراق كان قراراً سيئاً وخطأ فادحاً فإن هذه الكلمات تستفز كل من يقرأها لأن تشريد الشعوب وضياع الأوطان وسفك الدماء وسقوط عشرات الآلاف من الضحايا ليس له إلا وصف واحد وهو أن ما حدث يعد جريمة بشعة ارتكبها سفاح أحمق لن يرحمه التاريخ لا هو ولا تابعه بلير ولا كل من شارك فيها.. ستطاردهم اللعنات في الحياة وعند الممات.

إن ما حدث في العراق وليبيا وسوريا واليمن ودول أخري كتب الله لها النجاة لم يكن من قبيل الخطأ ولا التقاعس ولكنه مخطط شيطاني مدروس دبروا له بليل ومهدوا له بتصريحات كونداليزا رايس وزيرة الخارجية الأمريكية في عهد بوش وذلك عندما تحدثت عن الفوضي الخلاقة والشرق الأوسط الجديد ..

إن آلة الشر لن تتوقف وعلينا أن نستعد كعرب لما هو أسوأ.