رئيس حزب الوفد
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس الإدارة
د. خالد قنديل
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس الإدارة
د. خالد قنديل
رئيس التحرير
ياسر شورى

فاجأ الفتى «إيلى رافول» أباه بقوله إنه يود أن يصبح حاخاماً متخصصاً فى الدراسات التلمودية، بعد أن التحق  بمعبد يهودى لتلقى دروس مسائية بها . لم يأخذ الوالد رغبة ابنه، الذى لم يكن قد تعدى بعد السابعة عشرة من عمره مأخذ الجد، لا سيما بعد أن هيأ له العمل فى شركة للتأمين  بأجر مجز، فعدل مع مرور الوقت عن رغبته، والتحق بكلية الحقوق بجامعة «فؤاد الأول» لدراسة القانون. كان الزمن هو عام 1943، حين قرر إيلى أن يواصل دراسته نهارا، وأن يترك شركة التأمين ليلتحق بالعمل ليلاً فى جريدة «إجيبشان جازيت» اليومية التى تصدر باللغة الإنجليزية  ليبدأ بها أولى خطواته فى عالم الصحافة، وليصبح فيما بعد ألمع محرريها.  كانت مصر آنذاك دولة متجانسة برغم وجود الاحتلال البريطانى وبرغم اختلاف الجماعات الأجنبية اليونانية والايطالية والفرنسية والشامية التى تعيش على أرضها، وتسودها  فى قلب هذا التنوع الخلاق أجواء التسامح والتعدد الدينى والثقافى والسياسي والفكرى والحزبى، والقبول التلقائى بالحق فى الاختلاف.

ولد «إيلى رافول» فى القاهرة  عام 1927 لأسرة يهودية تعود أصولها إلى حلب، وعاش والده طفولته فى فرنسا، وتعلم فى مدارس الرابطة الاسرائيلية بها ليصبح فرونكوفونيا مولعاً بمبادئ الثورة الفرنسية فى الحرية والإخاء والمساواة، ومؤمنا بعلمانية الدولة، ورافضاً لفكرة القومية اليهودية، ولدعوات الهجرة التى تروج لها الحركة الصهيونية إلى فلسطين، وداعياً للاندماج الكامل للمواطنين اليهود فى أوطانهم، وهو ما نفذه بالحرف حين  هاجر إلى مصر واستوطن بها، فاندمجت أسرته بالكامل فى المجتمع المصرى، شأنها شأن نحو 80ألف يهودى آخرين ينتمون إلى مختلف الطبقات الاجتماعية وكان من بينهم عائلات بالغة الثراء امتلكت أشهر المحلات التجارية فى القاهرة مثل شملا وشكوريل وعدس وعمر أفندى لصاحبها اوريس دى باك وجاتينيو والصالون الأخضر، فيما امتلك مهاجرون مسيحيون من سوريا محلات صيدناوى. لم تكن تربط عائلة إيلى رافول بالأماكن المقدسة فى فلسطين أى شىء آخر سوى رؤية شقيقه الذى هاجر إليها حبا فى المغامرة، أماهو فقد انضم إلى نادى  «هاشومير هاتسعير» التى تعنى « الحارس الصغير» وهو حركة شبابية صهيونية ذات توجه ماركسى، لكنه لم يلبث أن تركها بعد عام واحد، لاعتراضه على الأفكار القومية الضيقة التى تروج لها الحركة، بزعم المواءمة بين الأممية الماركسية والقومية اليهودية، وبسبب تجاهلها للصراع الرئيسى فى مصر ضد الاحتلال البريطانى ولأنه لم يكن يصدق مزاعمها بأن المصريين معادون للسامية، وقبل هذا وذاك لأنه لم يكن لديه أدنى درجة  من القبول بأى فكرة تدعوه للرحيل عن وطنه. كانت الوكالة اليهودية والصندوق القومى اليهودى يعملان بحرية تامة فى القاهرة ويتلقيان التبرعات داخل المعابد اليهودية، بعد أن ظن اليهود المصريون أن من تذهب إليه تبرعاتهم هم اليهود الفارون من الاضطهاد فى بلدانهم الأوروبية، ومع تصاعد العداء للمشروع الصهيونى  فى مصر، حرص هؤلاء على التأكيد  فى كل مناسبة على أنهم «يهود ووطنيون مصريون فى آن واحد».

فى نوفمبر عام 1947 أصدرت الجمعية العامة للأمم المتحدة قرار تقسيم فلسطين إلى دولتين، وبسبب تأييد الاتحاد السوفيتى لهذا القرار، استغل النظام الملكى الفرصة لملاحقة معارضيه من الشيوعيين المصريين ووصمهم بأنهم صهاينة مقنعون، وحل الرابطة اليهودية المعادية للصهيونية التى كانت  تتبع إحد منظماتهم، واتخذت الدعوة الصيهونية للهجرة إلى إسرائيل انطلاقة جديدة بعد الحرب العربية ضدها عام 1948، حيث تم طرد عدد كبير من قادة الحركة الشيوعية المصرية اليهود من مصر. وفى هذه الأثناء تم اعتقال إيلى رافول لمدة شهر وخضع لاستجوبات مكثفة حول مواقفه وآرائه السياسية، متهماً من قبل السلطات المصرية بالصهيونية والشيوعية، وبعد أن فقد الأمل فى أن تعود حياته إلى سابق عهدها، قرر فى ديسمبر عام 1951 الرحيل عن مصر متوجهاً إلى فرنسا، بعد أن منحته السلطات المصرية تأشيرة خروج بلا عودة، وهناك عمل محرر فى وكالة الأنباء الفرنسية، قبل أن يتولى بحكم خبرته وإجادته للغات العربية والفرنسية والانجليزية مسئولية رئاسة قسم الشرق الأدنى والشرق الأوسط فى صحيفة لوموند الفرنسية واسعة الانتشار والنفوذ، وليصبح اسمه منذئذ «اريك رولو». وفى كتابه الذى صدر مؤخرا عن دار الطنانى للنشر وترجمته إلى العربية د.داليا سعودى بعنوان فى كواليس الشرق الوسط..مذكرات صحفى بجريدة لوموند، يبدى رو لو تعجبه من هذا الاختيار، فإذا كان قد قدم للصحيفة تحقيقات عن إيران وتركيا واسرائيل، فكيف يتسنى له متابعة الشأن العربى، والدول العربية تحظر إعطاء تأشيرة دخول لأراضيها لليهود، بالتحديد من تم ترحليهم منها، وما كاد يتجه للتخلى عن منصبه، كى يتخصص فى منطقة أخرى فى العالم، لا تعوقه فيها أصوله الدينية، حتى تلقى عام 1963 دعوة من مصر الناصرية لزيارة القاهرة  عبر «محمد حسنين هيكل» رئيس تحرير صحيفة الأهرام حملها إليه فى باريس «لطفى الخولى»، وهى الزيارة التى أحدثت تحولاً مهماً فى مساره المهنى، حيث فتحت أمامه أبواب  دول المنطقة والشرق الأوسط على مصرعيها، ليصبح بعد ذلك أشهر الصحفيين الغربيين الملمين بشئونها والصديق المقرب والموثوق به من قادتها، والمتعاطفين مع قضاياها، وفى القلب منها القضية الفلسطينية، وكل قضايا التحرر الوطنى فى دول العالم الثالث، التى حمل على عاتقه مهمة الدفاع عنها فى اللوموند والمحافل الدولية التى شارك فى مؤتمراتها، وحاضر فى جامعاتها كخبير فى شئونها وكدبلوماسى فرنسى سابق، حتى وفاته فى فبراير من العام الحالى.

يكشف هذا الكتاب الهام عن الدور التخريبى الذى  لعبته العناصر المتشددة داخل اسرئيل لدفع مصر والدول العربية للترحيل القسرى لمواطنيها من اليهود، الذين هاجر المعادون منهم للمشروع الصهيونى إلى أوروبا، فيما استوطن بعضهم فلسطين. كما يكشف الدور الذى لعبته تلك العناصر فى إفشال المساعى التى قام بها عبد الناصر لحل الصراع العربى ـ الإسرائيلى بطريق سلمى دون حروب عبر تنفيذ قرارات الأمم المتحدة، بعد أن عاش بنفسه تجربة العرب المريرة فى حرب 48، وكانت هذه العناصر هى من دفعت الرئيس الأمريكى إلى خديعة جونسون للقيادة المصرية فى عام1967 بإقناعها أن إسرائيل لن تبدأ بالعدوان، فيما كانت تدك طائرات ثلاث دول عربية وتدمرها وهى رابضة على الأرض.

الحقيقة الحزينة المؤكدة، أن الرابح الوحيد من ترحيل اليهودالعرب من أوطانهم، هو إسرائيل، وخسرت الدول العربية فرصة هائلة، كى يكون هؤلاء اليهود العرب جسرا للتواصل بينهم، وبين الغرب لشرح قضاياهم العادلة وفى القلب منها القضية الفلسطينية، ودفعت الشعوب والدول العربية أثمانا غالية من أمنها واستقرارها للسماح بسيادة هذه الأجواء من  التعصب الدينى والمذهبى، ولاتزال تدفعه!