رأي الوفد
لا شك أن مسئوليات ضخمة تنتظر البرلمان المقبل باعتباره أول برلمان بعد ثورة الثلاثين من يونية، تلك الثورة الشعبية الفريدة التي استرد بموجبها الشعب المصري طموحاته وآماله التي تعلقت بالثورة الأم في الخامس والعشرين من يناير، وانحرف بها حكم الجماعة الإرهابية بعيداً عن المصالح الوطنية.
فإلي جانب الثورة التشريعية المنتظرة، كسبيل إلي ترجمة المكتسبات غير المسبوقة التي حملها دستور 2014، تجدر الإشارة إلي جانب مهم ليس له أن يغيب عن البرلمان المقبل؛ إذ بات مفهوم «البرلمان»، ووقعه في الضمير الوطني، محل جدل كبير، بفعل الكثير من الممارسات التي أًُرتُكبت باسمه، وبمقتضي التدافع الشديد علي أبوابه من الجميع، دون رؤى مبتكرة واضحة، أو قاعدة تاريخية ينطلقون منها، وبلا مبررات كذلك، اللهم إلا الرغبة في تحقيق مكاسب سياسية تتيح لهم البقاء تحت الأضواء.
وواقع الأمر أن «البرلمان» من أهم المحاور الأساسية في العملية الديمقراطية، إذا ما أحسن المجتمع توفير بواعث توقيره في الضمير الجمعي للأمة. وهو كذلك ستار كثيف من شأنه أن يمنع رياح الديمقراطية عن المشهد السياسي برمته، إذا ما نظرنا إلي تجربة الأنظمة الفاسدة التي أسقطتها الثورة المصرية، في يناير ويونية علي التوالي، حيث كان البرلمان من الحصون المنيعة التي أتاحت للأنظمة الفاسدة مجابهة كل إرادة شعبية حرة.
بيد أن التجربة المصرية في مشهدها الحالي، تشير إلي أننا أمام نظام حملته الإرادة الشعبية الحرة إلي قمة المسئولية الوطنية؛ ومن ثم لا حاجة له إلي ممارسات من جانب بعض الوجوه السياسية الجديدة في ملامحها، القديمة في مرتكزاتها الفكرية، فتصوغ خطاباً تسعي به إلي الالتصاق بالسلطة، وتهيئ من البرلمان المقبل ساحة لعودة ممارسات أفرغت مفهوم البرلمان من مضمونه، وأسقطت عنه الكثير من دواعي تقديره في الضمير الوطني الجمعي، وهو ما يترك أثره بالفعل علي كافة الفعاليات السياسية المصاحبة للسباق البرلمان، متمثلاً في عزوف عن المشاركة بالقدر المناسب للأهمية الفارقة للبرلمان.
كذلك في الأداء البرلماني المنتظر، لا يسعنا إلا التوجيه بأهمية اتساع الأفق السياسي ليشمل كافة القضايا الوطنية، وبما يخرج عن الأطر التقليدية البالية التي نزعت عن النائب رؤى تستوعب مجمل القضايا علي الساحتين الإقليمية والدولية، خاصة ما يتعلق منها بالمجال الحيوي للأمن القومي.
فإذا ما نجح البرلمان المقبل في ذلك، فإن ثقافة جديدة تنشأ لتؤكد أن مصر قطعت بالفعل خطوات واسعة نحو ترسيخ قواعد الديمقراطية. وعليه يندفع الناخب، فيما بعد، إلي تغيير نظرته إلي الناخب المطلوب للقيام بمهام تزيد كثيراً عن أجندة نائب الخدمات الساعي بين دواوين الحكومة حاملاً آلام الناس ومشكلاتهم الحياتية، متجاهلاً حقيقة دوره كنائب عن الوطن بأكمله، مُهدراً الاختصاصات الأصيلة للمجالس المحلية.
ليكن البرلمان المقبل، التعبير الصادق عن مجمل ما قطعته الدولة المصرية الحديثة علي طريق التحول الديمقراطي، أياً كانت مكوناته السياسية، طالما لا يغيب عنها ثقل مسئوليتها الوطنية، متسلحة بقدرتها علي أداء ما هو مطلوب منها من مهام، لعل أبرزها وأعمقها أثراً، الارتقاء بموضع البرلمان في الضمير الوطني الجمعي، ليماثل موقعه الأثير والفريد في المجتمعات المتحضرة والمتقدمة علي طريق الديمقراطية.
«الوفد»
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض