كشف التقرير الموجز والمركز والمحترم الذى ألقاه رئيس اللجنة العيا للانتخابات المستشار «أيمن عباس « عن نتائج المرحلة الأولى من الانتخابات النيابية عن مدى الصدق والنزاهة والشفافية التى أديرت بها العملية الانتخابية. فهذه أول انتخابات تجرى بدون بسط قبضة السلطة التنفيذية القوية على إجرائها وعلى نتائجها ، وهى أول انتخابات تجرى بدون نسبة العمال والفلاحين التى نفذ منها إلى مجالس الشعب السابقة ،رجال أعمال ومستثمرون ورؤساء شركات كبرى وضباط جيش وشرطة سابقون . وهى أول انتخابات تجرى وتغيب عنها الدعاية السافرة المتاجرة بالدين سواء فى منابر دور العبادة أو فى الطرقات والميادين ، والأحياء الشعبية ، ليس فحسب لأن القانون يحظر ذلك ،بل -وهو الأهم - لنفور المواطنين من هذا اللون من الدعاية التى اختبروا بأنفسهم مدى خداعها . وتكاد تكون هذه هى الانتخابات الأولى التى تختفى منها ظواهر العنف والمخالفات الصارخة ، وهو الأمر الذى اعترف به المستشار أيمن عباس ، وأكد أن المخالفات التى برزت مع قلتها ،جرى التحقيق فيها والتصرف القانونى معها . وجاءت نسب المشاركة فى هذه الجولة من الانتخابات التى بلغت 26.56% مطابقة لنسب المشاركة طبقا للمعايير الدولية ، ولملاحظات معظم الجهات التى شاركت فى مراقبة الانتخابات من السفارات الأجنبية ومنظمات المجتمع المدنى المحلية والدولية ووسائل الإعلام الغربية والعربية .
أظهرت هذه الجولة مدى التعقيد الذى أحاط بالقانون الانتخابى ، وتجلى ذلك فى العدد الكبير للأصوات الباطلة الذى بلغ 694 ألفا و466 ناخباً بنسبة وصلت إلى 9.46% لعدم معرفة كثير من الناخبين، وبالتحديد الأميون منهم ، عدد المقاعد المطلوبة فى الدائرة للفردى، وطريقة التصويت للقائمة ، وهو ما يتطلب بذل جهد سريع من الإعلام المرئى والمسموع والمكتوب ومن المرشحين أنفسهم فى جولة الاعادة وفى المرحلة الثانية، لشرح تفصيلى لعدد المقاعد المطلوبة فى كل دائرة ، والتنبيه للتصويت لقائمة واحدة فقط ، وتوضيح كل ما يؤدى إلى ابطال الصوت، إذ الملاحظ أن الارشادات التى رافقت الجولة الأولى اتسمت بالعمومية الشديدة واكتفت على سبيل المثال ،بنصيحة الناخب بعدم ابطال صوته ،دون أن ترشده إلى العوامل التى يمكن يؤدى إلى ذلك .
وكشفت اتجاهات التصويت عن حقيقتين مهمتين جديرتين بالتأمل والدراسة واستخلاص النتائج ممن يعنيهم الأمر . الحقيقة الأولى هى الهزيمة الساحقة التى منى بها حزب النور السلفى فى دوائر تعد معقلا انتخابيا له فى الوجه البحرى والصعيد، وتحميل قادة الحزب، الحملة الإعلامية عليه قبيل اجراء الانتخابات مسئولية الوصول لهذه النتيجة ، هو هروب من تحمل المسئولية، وعجز عن القراءة الصحيحة لها. فالخطاب المزدوج لقادة الحزب الذى يؤيد الحكومة ليلا على شاشات الفضائيات ، ويهاجمها نهارا لكسب رضاء أعضائه، لعب دورا فى عزوف كثيرين منهم عن التصويت لصالحه ،ذلك أن اللوع الذى قاد به الحزب المشاركة فى اصدار خارطة المستقبل فى 3 يوليو 2013 ومشاركته بعد ذلك فى صياغة الدستور الجديد بزعم منع «العلمانيين» فى لجنة الخمسين من تعديل المادة الثانية من الدستور التى تنص على أن مبادئ الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسى للتشريع، ومن وصف الدولة بأنها مدنية ،وتمسكه بحذف كلمة المرجعية الدينية من النص الدستورى الذى يحظر قيام أحزاب سياسية على أساس دينى، قد انقلب عليه ،تماما كما قال صلاح جاهين إن «علم اللوع أضخم كتاب فى الأرض ، بس اللى يغلط فيه يجيبه الأرض». هذا فضلا عن الاستنامة لحالة من الغرور تدفعه للضغط على النظام القائم، الذى يتساهل مع تمدده هو و11حزبا دينيا فى خرق صريح للدستور، بدعوى أنه من منحه شرعيته القائمة ،وبصفته أكبر الأحزاب المصرية ، ولعل خسارته المدوية ان تعيده إلى رشده وإلى أصله حركة دعوية محضة لا علاقة لها من قريب أوبعيد بالسياسة !
الحقيقة الثانية هى أن اتجاهات التصويت قد انحازت بوضوح لالبس فيه للعناصر المحسوبة على ثورة الثلاثين من يونية بين المرشحين على المقاعد الفردية ، من نجح منهم ، أو من يتوجه لخوض جولة الإعادة. وسواء صحت الأخبارالتى أشاعت دعم الرئيس السيسى لقائمة فى حب مصر،أو لم تصح، فقد كان أحد أهم الأسباب لتصدر القائمة صفوف القوائم الناجحة فى الجولة الأولى ، هو تصديق كثيرين من المصوتين لها بأنها قائمة تدعمها الرئاسة . وبهذا يسقط على أم رأسه محطما بعض التحليلات المعادية والشامتة والساعية للصيد فى الماء العكر من الأبواق العاملة فى الصحف الغربية والعربية والمصرية، التى فبركت صورا وأفلاما واقتطعت كلاما لناخبين من سياقه، كى تصف ما أسمته ضعف التصويت ،الذى حصرته فى الساعات الأولى لبدئه فى نسبة تتراوح بين2و4%، ،بأنه صفعة على وجه نظام السيسى ،وهو استفتاء على انخفاض شعبيته، وهو هستيريا وتخبط وذهول لنظامه ، الذى واجه ادارة الشعب ظهره له بالاعداد المسبق لنتائج الانتخابات. وتكشف النتائج التى اسفرت عنها جولة الانتخابات الأولى،والنزاهة التى شهد عليها المراقبون الدوليون عقم تلك التحليلات ، وتؤكد أن المتخبط والمرتبك هم العائشون فى وهم استعادة حكم الإخوان والتيار الإسلامى ممن يتلقون دعما إقليميا ودوليا من كل لون ، ومن يتوجه لصدورهم طعنة نجلاء، لكل خطوة يخطوها الشعب المصرى نحو التعافى من مشاكله وأزماته.
بعد أيام قليلة يتوجه الناخبون لصناديق الاقتراع لجولة الاعادة وبعدها للمرحلة الثانية ، وعلينا جميعا الاستفادة من أخطاء الجولة الأولى حتى لانكررهها،كما علينا أن ندرك أن تشكل البرلمان من أغلبية من المستقلين لن يخدم التطور الديمقراطى فى هذا البلد، وأن دعم الأحزاب المشاركة فيها بات ضرورة لإحداث توازن فى مجلس النواب القادم لعله يتيح على الأقل أرضية مشتركة لتعديل هذا القانون الانتخابى الطاعن فى الارباك ، ويمنح الحياة الحزبية قبلة الحياة كى تجدد نفسها، وتكسب ثقة المواطنين، كى يعتدل هذا الميزان المختل الذى يحظى فيه المستقلون باغلبية المقاعد التمثيلية ،فى بلد يقوم نظامه على التعدد الحزبى!
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض