يخطئ البعض عندما يظن أنّ روسيا عندما دخلت الحرب على داعش تعمل بتنسيق مع أمريكا. والحقيقة أن روسيا قررت أن تقول لأمريكا و«داعش» «كش ملك»، بتفعيل دعمها العسكري لسوريا عملاً بالعقود التي تربط الحكومتين منذ سنوات، يضاف إليها قرار رفع مستوى الدعم العسكري إلى حد إرسال قوى عسكرية قتالية جوية وبرية فضلاً عن الأسطول الروسي في المتوسط وقاعدته في طرطوس، لتكون كلها في خدمة القرار الروسي بالحرب على الإرهاب والمنظمات الإرهابية المنتشرة في سوريا.
وهذا بالطبع ضد أمريكا التى تريد تعقيد المسألة السورية وتأخير حلها وزيادة الدمار في سوريا. لذلك كان التشكيك ليل نهار من وسائل الاعلام الغربية بقدرة روسيا على محاربة الإرهاب دون التنسيق مع أمريكا. الرئيس بوتين كان واضحا بشأن داعمي الإرهاب في سوريا الذين يريدون تمرير مشروعهم في تقسيم هذا البلد، فكانت أقواله في الأمم المتحدة هي الفصل في وقف هذا المشروع، إلا أن الرئيس أوباما أراد استعراض القوة في مواجهة بوتين ليبرهن على أن واشنطن لاتزال القوة العالمية الأولى رغم وجود انداد لها، فكانت البطاقة الحمراء من بوتين وإعلان وفاة القطب الواحد الذي حاول أتباعه ضرب سوريا لينتهي هذا الحلم وتتبدد ثروات الذين استثمروا في هذا المشروع الخاسر، فموسكو وتصريحات قيصرها أربكت واشنطن وأتباعها وقيدت تحركاتهم ولم يعد بمقدورهم التصرف بحرية كما كانوا سابقا لأنهم باتوا في مواجهة قوى جديدة على الأرض وخاصة بعد أن عززت روسيا قواتها في سوريا لمحاربة الإرهاب وليضع الرئيس بوتين النقاط على الحروف في أن الجيش السوري الذي يقوده الرئيس الأسد هو الوحيد الذي يحارب الإرهاب على الأرض داعيا الغرب إلى الانضمام للتحالف الحقيقي لمحاربة الإرهاب مثلما فعل الحلفاء قبل سبعين عاما عندما واجهوا النازية.
وبالطبع فإن الوجود العسكري لروسيا في حوض المتوسط يعد ضمانا لمصالحها الاقتصادية المتعلقة بالاستثمارات النفطية وأنابيب النفط والغاز، وللحد من هيمنة الولايات المتحدة وحلفائها الدوليين والإقليميين على منطقة الشرق الأوسط. وقد قامت روسيا أيضا بالتدخل خشية حصول مفاجآت ميدانية يمكــن أن تُعِّجل بإسقاط النظام، وهى تريد تقوية النظام في سوريا ليكون ورقة قوية في أي مفاوضات مقبلة. وبالتالى التدخل الروسي العسكري كان للضغط على أطراف الصراع والدول الداعمة، لفــرض مسار سياسي يتزامن مع استئصال القوى الجهادية. وقد ظهر أن العمليات العسكرية الروسية تتجاوز تنــظيم «داعش» إلى مجموعات أخرى ترفض المشــاركة في أي تسوية سياسية تقترن مع بقاء النظام في المرحلة الانتقالية. وخاصة أن رموز المعارضة الخارجية يتمسكون بأهداف شكلية، اصبح غالبية السوريين يرفضونها ليس حباً بالنظام، بل تأتي خــوفاً من هيمنة الجهاديين لأنه بالنسبة لهم يشكِّل كارثة وطنية.
ويرى البعض أن التصعيد الروسي يساعد على الحفاظ على وحدة الجغرافيا السورية وعلى الدولة ومؤسساتها المدنية، ويبعدها عن التقسيم والمذهبية وتجنب دخول سوريا على مزيد من العنــف والعنف المضاد.. والسؤال الان هل من الممكن أن تقوم موسكو بالإمساك بمفاتيــح النظم العسكرية والأمنية وتطويــع المواقف بما ينسجم مع الاستحقاقــات السياســية المرتقبة؟ وهل ستكون ســوريا مدخــلاً إلى إعادة إنــتاج نظام دولي متــعدد الأقــطاب؟.
على الجانب الاخر نجد أن أمريكا مازالت تلعب بالبيضة والحجر من خلال تصريحات أمريكية أن روسيا ستدخل في «الوحل» السوري وأنها وضعت نفسها في موقع الحرب على «السنَّة» مما سيدفع بآلاف السنَّة لمحاربة روسيا. وللاسف بعض قوى المعارضة باتت تردد هذا في محاولة يائسة لإعادة الأزمة إلى بدايتها عندما رفع المتآمرون في مظاهراتهم المشبوهة الشعارات الطائفية التي سقطت بفضل تلاحم الشعب السوري بنسيجه الديني والعرقي المتميز. ويظهر هذا جليا مع تزايد الشجب لموقف روسيا الاتحادية من قِبل بعض المعْترضين من بينهم الائتلاف الوطني الإسطنبولي وتيار بناء الدولة مما يؤكد عمالتهم الصريحة لواشنطن. مرددين معلومات مغالطة للواقع الميداني بأن طائرات الاتحاد الروسي تصيب فقط المدنيين كما فعلت سابقاً فيما يخص الضربات السورية على مقرات القيادات الإرهابية ولن تمر على المتابعين في دولهم. بينما تؤكد قيادات عسكرية خبيرة بأن ضربات روسيا الاتحادية أوجعت داعش ومثيلتها من التكفيريين.
وفى الواقع إن انتصار سوريا بدعم روسيا الاتحادية أصبح واضحاً ومؤكداً؛ والحسرة ستأكل المتعاونين مع واشنطن الذي لا يخْتلف عن التعاون مع تل أبيب. ومع كل هذا يبدو أن التدخل الروسى يضع حداً للإرهاب والتطرف الديني، ويعيد للمنطقة أمنها واستقرارها تحفظه قوة ذاتية وتحالفية لا يكون لأمريكا وأتباعها سيطرة أو نفوذ عليها. ومن غير المستبعد حاليا التوافق مجددا بين موسكو وواشنطن للاتفاق على حل الأزمة السورية بوجود الرئيس بشار الأسد خاصة بعد أن تسربت معلومات عن مفاوضات بعيدة عن الأضواء بين موسكو وواشنطن لحل هذه الأزمة. وبات أوباما يبحث عن مخرج لائق يحفظ ماء وجهه رغم تصريحاته المتشددة، لكنه يتطلع إلى مساعدة من موسكو وطهران والضغط على الرئيس الأسد للجلوس إلى طاولة التفاوض، لهذا من غير المستبعد أن تشهد الفترة المقبلة انفراجا في الأزمة السورية مع بداية العام 2016 ويتكرر المشهد ذاته الذي جرى قبل عامين بشأن الأسلحة الكيماوية وترمي موسكو مجددا حبل النجاة لواشنطن.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض