من قلبي
علي الأجهزة الرقابية أن تعطي مصداقية للحرب ضد الفساد بكفه دون استئذان.
قضية وزير الزراعة ليست الأخيرة في الحرب ضد الفساد... فبعدها لن تنام أجهزة الرقابة... ولن تتوقف أعين الشعب عن ملاحظة الفساد... وتتبع الفاسدين... والشعب يعرف عن الفساد والفاسدين ما يعرفه أعضاء الأجهزة الرقابية... لأنه هو صاحب المال... الشعب هو المسروق... وهو المنهوب... وهو الخاسر الأكبر من عمليات الفساد... فالفاسدون يأخذون حق الغلابة... لكنهم لا يقدرون علي حقوق الكبار... والغلابة لا يملكون اجراء واحداً ضد الفاسدين... لكنهم يملكون فقط الدعاء علي الفاسدين... ولمن ينقذهم من الفساد... ولا يمكننا الفصل بين الكشف عن قضية الفساد في وزارة الزراعة... وبين الاجتماع الذي عقده الرئيس عبدالفتاح السيسي مع رئيس الرقابة الإدارية الجديد قبيل رحلته الآسيوية الأخيرة... فرحلات الرئيس للخارج تركز ضمن أولوياتها علي جذب الاستثمارات الأجنبية... ورأس المال لا يتوجه إلي دولة يكون الفساد هو المعوق الرئيسي للاستثمار فيها... فكل ما يقال عن التعقيدات الإدارية يمكن التغلب عليه... وجميع الروايات العجيبة عن الروتين والبيروقراطية تهون أمام ارتفاع عائدات الاستثمار إلا الفساد فهو العامل الأكبر في طرد الاستثمارات الأجنبية... والشيء الوحيد الذي يجعل المستثمر الأجنبي يحمل حقيبته ويغادر إلي غير رجعة مضحياً بنسب الربح المرتفعة... وفرص الاستثمار الواعدة... ولو نجح «السيسي» في حربه ضد الفساد لأضاف إلي الاستثمارات الأجنبية في مصر أرقاماً أكبر من توقعاته... لمنحه الشعب الذي اختاره رئيساً لقب بطل الحرب ضد الفساد... كما منحه لقب بطل الحرب ضد الإرهاب.
ولا يمكن الفصل بين القضية ومنهج وطريقة اختيار المسئولين... فمن غير المعقول أن الرقابة الإدارية وهي صاحبة التقارير التي فجرت القضية كانت نائمة في وقت ترشيح «هلال» للمنصب الوزاري... ومن غير المقبول أيضاً أن المهندس إبراهيم محلب رئيس مجلس الوزراء اطلع علي هذه التقارير وأهملها حين اختاره وزيراً في حكومته... وحتي تكتمل فصول هذه القضية... وحتي تكون مقنعة للآخر أننا نحارب الفساد... لابد من الكشف عن هذه الفصول الغائبة في القضية... وأن تتم محاسبة كل من قصر في أو تستر علي هذا الفساد.
وعطفاً علي حديث التقارير الكاشفة للفساد... تجرنا قضية فساد وزير الزراعة للحديث عن بقية تقارير الفساد التي تزدحم بها أدراج أعضاء هيئة الرقابة الإدارية... كما تجرنا أيضاً لتفعيل أكبر لدور الجهاز المركزي للمحاسبات... وفتح قضايا الفساد التي يتحدث عنها المستشار هشام جنينة رئيس الجهاز ليل نهار دون أن يلتفت إليه أحد من المسئولين في الحكومة... وهي أكبر عملية طناش لتقارير كاشفة للفساد... وما لا يعرفه المسئولون أن هذا الطناش يعطي مصداقية كبري لكلام «جنينة» لدي الشارع... خاصة أن الرجل يتحدي إما محاكمته شخصياً إن ثبت فساد تقاريره... أو محاكمة المسئولين لو ثبت فسادهم. ولن تكتمل أيضاً قصة القضية ومصداقية النظام فيها إلا لو اكتملت بإبعاد الكشف عن قضايا الفساد عن رضا رئيس الجمهورية واستئذانه فيها... فالرئيس «السيسي» أثبت في غير حدث انه ليس فاسداً... وانه... يكره الفساد وانه... وممارسيه... وانه لا يحمي أياً منهم... وبقي علي الأجهزة الرقابية نفسها أن تعطي لنظام الرئيس «السيسي» مصداقية محاربة الفساد بالتخلي عن قواعد العمل أثناء نظام «مبارك»... وأن تتجاوز هذه الأجهزة في عملها الدور القاصر علي إعداد تقارير الفساد لحين طلبها... وأن يكون دورها الحقيقي هو المبادرة بكشف الفساد... وفضح الفاسدين دون الرجوع لجهة أخري.
وحتي نكون منصفين فإن الفساد ليس قاصراً علي نمط قضية وزير الزراعة... فإن كثيراً من القرارات التي يتخذها المسئولون تستفز مشاعر المواطنين الذين لا يجدون ما يسدون به احتياجاتهم... وأشهر القرارات الاستفزازية ما يصدر بمكافآت لا مبرر لها... منح لا مسوغ لمنحها... ومبالغ تصرف لفئات أقل ما توصف به انها رشاوي مقننة... لفئات ليس في حاجة لها... وفي الجهاز الإداري للدولة موظفون طحنتهم مطالب الحياة فعجزوا عن سد رمق أسرهم... تلك القرارات التي يتخذها مسئولون يتولون عبء تحقيق جانب من جوانب العدالة الاجتماعية هي جانب من الفساد الواجب محاربته وإيقافه.
ولعل أفضل الظواهر التي طفت علي السطح بعد تفجر قضية فساد وزارة الزراعة... ذلك الطفح من الشفافية الذي ضرب وزارات حكومة «محلب» ووزرائها... فكلهم- أو معظمهم- سارع إلي التصريح... والتلميح إلي انه بعيد عن القضية... أو انه لا يقبل الفساد... ولا يحميه... ولا يمارسه... ولا يتعاطاه... وكأنهم جميعاً حرصوا علي أن يؤكدوا المثل العامي (إللي علي راسه بطحة).
ومن غير المعقول ألا يكون لكشف فضيحة وزير الزراعة أهداف... فمصر تحتل بجدارة الموقع رقم 49 في قائمة الدول التي تعاني من الفساد... وعلي الإدارة المصرية أن تثبت انها تسعي لمغادرة هذا الموقع... وعليها أيضاً أن تؤكد للعالم أن لديها من المصداقية ما يضع سيف محاربة الفساد علي رقاب المسئول مهما علت درجته الوظيفية... ومهما احتل مركزاً متقدماً... وفي هذا الصدد نذكر بقضية الفساد التي تفجرت في ظل نظام «مبارك» وكان بطلها وبقي الفساد.
وحتي نكون منصفين فإن خلو الأجهزة الإدارية من الفساد حلم قد لا يتحقق في أي منظمة... أو شركة... أو حتي دولة... لأن أنظمة الإدارة قد تضع من القواعد ما يسهل كشف أوجه التلاعب... لكن باعتبار أنظمة الإدارة في العالم أجمع هي نتاج بشري... فلا يمكن أن تكتمل إلا بالرقابة الذاتية للأفراد علي أنفسهم... وهو ما نطلق عليه لفظة الضمير... ذلك المخلوق الذي لا نراه... ولا نعرف أين يوجد داخل تكويننا... لكننا نملك امكانية تربيته... وتشكيله... وزراعته دخل الأجيال القادمة إلا أن هذا يتطلب نظاماً تعليمياً يختلف كثيراً عما نملكه.
(ولهذا الموضوع حديث آخر)
Email:[email protected]
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض