رسالة حب
لم تكن تصريحات الأمير تركي الفيصل مدير المخابرات السعودية الأسبق هي الوحيدة التي خرجت من المملكه العربية السعودية لتهاجم الولايات المتحدة ورئيسها.. وتحذر من توقيع اتفاق البرنامج النووي مع ايران، وتكشف عن تخطيط المملكة لامتلاك برنامج نووي بالمثل.
وعلي الرغم من قيام أوباما بالرد بنفسه علي تصريحات الأمير تركي.. إلا أن تلك التصريحات وغيرها غابت عن الأستاذ هيكل بفعل الخرف الذي أصابه، وكانت النتيجة تلك الأراجيف التي خرج يروجها في حواره مع جريدة «السفيرس اللبنانية من ان دول الخليج اضعف من ان تشاغب علي الاتفاق النووي، وان كلهم يتساوون في الخوف من ايران وانهم لا يملكون الا الشكوي للولايات المتحدة.. وليس امامهم الا الاستسلام الذي يمليه الخوف.
اما عن تصريحات الامير تركي فقد تناولناها في المقال السابق .. ولكن كانت هناك تصريحات اخري خرجت من مسئولين سابقين وكلها كانت بنفس قوة تصريحات الامير تركي او اقوي.. وكان ثاني من اطلق منصة تلك التصريحات هو الامير بندر بن سلطان مدير المخابرات السعودية الاسبق وسفير المملكه في الولايات المتحدة الاسبق وكان ذلك منتصف الشهر الماضي.. شن الامير بندر في مقال له بصحيفة «دايلي ستار» اللبنانية هجوماً عنيفاً علي الاتفاق الذي وقعته الولايات المتحدة مع ايران، وحذر الامير السعودي في المقال الذي تم نشره باللغه الانجليزية من الفوضي في المنطقة، حيث قال إن الفوضي ستسود الشرق الأوسط الذي تعيش دوله حالة من عدم الاستقرار، تلعب فيها إيران دورا أساسيا.. وبخبرة وحنكة دبلوماسية نال الأمير السعودي من الرئيس الأمريكي حيث جاء مقاله الذي كتبه تحت عنوان «طبق الأصل» بمثابة تعرية لسياسات أوباما وحمله المسئولية الشخصية عن توقيع ذلك الاتفاق، مشيراً إلي الاتفاق المماثل الذي وقعه الرئيس الأمريكي الأسبق كلينتون مع كوريا الشمالية.
قال الأمير بندر ان كلينتون اتخذ قراره آنذاك علي أساس تحليل استراتيجي للسياسة الخارجية الأمريكية، وعلي معلومات استخباراتية سرية، وعلي رغبة ونوايا حسنة لإنقاذ شعب كوريا الشمالية من مجاعة تسببت فيها قيادته، ثم تبين بعد ذلك أن هذا التحليل الاستراتيجي للسياسة الخارجية كان خاطئا، إلي جانب فشل استخباراتي كبير لو عرف به الرئيس كلينتون قبل اتخاذه القرار لما اتخذه.. أما علي الجانب الآخر - كما يقول الأمير بندر - فإن الرئيس أوباما اتخذ قراره بالمضي قدما في الصفقة النووية مع إيران وهو مدرك تمام الإدراك أن التحليل الاستراتيجي لسياسته الخارجية والمعلومات الاستخباراتية المحلية، وتلك الآتية من استخبارات حلفاء أمريكا في المنطقة لم تتنبأ جميعها بالتوصل إلي نتيجة الاتفاق النووي ذاتها مع كوريا الشمالية فحسب بل تنبأت بما هو أسوأ.
وتساءل الأمير بندر لماذا يصر الرئيس أوباما علي عقد مثل هذه الصفقة علي الرغم من أنه يعرف ما لم يعرفه الرئيس كلينتون عندما عقد صفقته مع كوريا الشمالية؟
واختتم الأمير السعودي مقاله برسالة قوية لأوباما وإدارته قائلاً: أنا أكثر قناعة من أي وقت مضي بأن صديقي العزيز الثعلب القديم هنري كسنجر كان مصيباً حين قال «علي أعداء أمريكا أن يخشوا أمريكا، لكن علي أصدقائها أن يخشوها أكثر».
وفي إشارة منه لاعتماد المملكة علي نفسها وتعزيز قدراتها بامتلاك برنامج نووي علي غرار البرنامج الإيراني قال الأمير بندر: يعتمد الناس في منطقتي اليوم علي الله وعلي تعزيز قدراتهم وتحليلهم للوضع بالتعاون مع الجميع، باستثناء حليفنا الأقدم والأقوي.. إلي هنا انتهي كلام الأمير بندر بن سلطان.. وإلي هنا وصلت الرسالة.
وعلي الرغم من أن هذه الرسالة صدرت من مسئول سعودي رفيع المستوي شغل منصب مدير المخابرات العامة، ثم مستشار الأمن القومي للملك، ومن قبلها سفير للملكة في الولايات المتحدة طوال 23 عاماً، عاصر خلالها رؤساء أمريكا من جيمي كارتر حتي جورج بوش وتربطه علاقات وطيدة بهم إلي أن الأستاذ هيكل لم ينتبه إليها.
وعلي الرغم من اهتمام الصحف ووكالات الأنباء العالمية بما كتبه الأمير بندر حتي أن موقع «cnn» لم يكتف بنشر المقال وردود الأفعال الواسعة التي أعقبت النشر بل عمد إلي وضع صورة كبيرة تجمع الأمير بندر وهو جالس علي «مسند» المقعد والرئيس الأمريكي السابق جورج بوش وهو جالس علي الكرسي المجاور، ما يعني خصوصية العلاقة بين الاثنين.. إلي أن الأستاذ هيكل لم يسمع عن ذلك ولم يصل إلي ذهنه.
وعلي الرغم من أن حوار الأستاذ هيكل مع جريدة السفير اللبنانية جاء بعد أيام قليلة من رسالة الأمير بندر التي أحدثت دويا هائلاً.. إلا أن الأستاذ هيكل لم يقرأها.. أو قرأها وسرعان ما نسيها بسبب الخرف الذي أصابه.
وعلي الرغم من قيام وزير الخارجية الأمريكي جون كيري بالرد الفوري علي الأمير بندر من خلال شبكة «cnn» حيث قال: أختلف مع الأمير بندر بشكل كبير لأن الخوف الحقيقي -كما يقول كيري- هو عدم التوصل إلي اتفاق وأن وجود اتفاق أفضل من عدم وجوده.. علي الرغم من هذا فإن الأستاذ هيكل في وادٍ والعالم في وادٍ آخر.
غاب الأستاذ هيكل عن كل هذه الأحداث، وجلس مغيبا في صومعته، مستسلما لما أصابه، غارقا في أوهامه، لا يسمع إلا نفسه، ولا يشعر إلا بما يدور تحت قدميه.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض