لم التعاطف مع معظم النقد العشوائى الذى تم توجيهه إلى مسلسل «حارة اليهود»مع بدء اذاعة حلقته الأولى ، ولم يتوف بعد انتهائه ،ليس فحسب لهشاشة المنطق الذى يسوقه ،والمفاهيم المغلوطة التى استخلصها من أحداثه، بل لأن الرسالة التى حملها المسلسل، والأهمية البالغة لتوقيت عرضه ، لم تصلا لأصحاب هذا النقد، ليس لأنها رسالة عصية على الفهم والادراك، بل لأن هذا اللون من النقد كان يهدف بالأساس إلى الترويج لنوع من الوطنية البلهاء والساذجة، التى تعتبر أن مجرد عرض المسلسل هو دعوة للتطبيع مع اسرائيل ، وإلى الإثارة الهوجاء التى لو لم يتقبلها أحد وأعرض عنها ، فقد نجحت فى إثارة اللغط ،وفتحت باب السجال العبثى على مصراعيه، ولم يتوقف حتى بعد أن أقام بعض دعاة الشهرة المهووسين بالظهور الإعلامى دعوى قضائية لوقف عرضه، بعد التبجح باتهامه بأنه يقدم خدمة لأعداء الوطن!لم يكن « حارة اليهود» مسلسلا وثائقيا وتاريخيا لتنصب له المحاكم بأنه يزور التاريخ، ويغير فى وقائعه ، ويخطئ فى تسلسل تلك الواقائع، ويعجز عن رسم صورة حقيقية لحارة اليهود المصرية التى ينسب أفرادها إلى الطبقة الوسطى وهم من الفقراء ،ويوكل إليهم أعمالا ،لم يكونوا يؤدونها، ويضفى على بيوتهم ومنازلهم وأثاثهم مظاهر الثراء والفخامة، ويظهر المعبد اليهودى على غير حقيقته ، ويقدم الشعائر والصلوات اليهودية بداخله بشكل لا يمت للواقع بصلة .ولأن أحداث المسلسل تقع بين بدايات حربى عامى 1948 و1956، فإظهار المسلسل لبيت دعارة يحمل ترخيصا يتجاهل –وفقا لهذا النقد- أن مصر الغت هذه التراخيص عام 1945 ، وبدت ملابس سيدات المسلسل أكثر عصرية وحداثة من زمن وقوع أحداثه ، ولم تكن هناك غارات على القاهرة فى تلك الفترة، كى يلجأ أهل الحارة بكل أديانهم إلى الكنيس اليهودى ليحتموا به ،وغير ذلك من ملاحظات صغيرة انشغلت بالتفتيش فى نوايا مؤلفه الشاعر الموهوب الدكتور « مدحت العدل» تجاوبا مع الهذيان والخيال المريض الذى روجت له جماعة الإخوان وأعوانها فى الداخل والخارج ، ومنبرها الفضائى قناة الجزيرة القطرية ،والصحفيين الغربيين والأمريكيين الذين تغدق عليهم من أموالها، لتمنح هذا الهذيان دعما دوليا ،من قبيل القول إن المسلسل أظهر الإخوان هم الأشرار، واتهمهم بتفجير الأحياء والممتلكات اليهودية - وكأنه اتهام ملفق لم تثبته وقائع المحاكمة القضائية لأعضائها، فضلا عن اعتراف قادة الجماعة فى مذكراتهم بارتكاب تلك الجرائم فى سياق التباهى بها- ووفقا لتلك الأبواق ،فقد عكس المسلسل ما يزعمون أنه « العلاقة القوية بين نظام عبدالفتاح السيسى وإسرائيل منذ الانقلاب الذى أطاح بالرئيس المنتخب محمدمرسى» وكأن الرئيس «السيسى» وليس الدكتور مرسى من يحاكم بتهمة التجسس، ومن تمت فى عهد رئاسته احباط محاولة ضخمة لنهب دار الوثائق المصرية وبيع وثائقها عبر الأردن إلى إسرائيل !لكن بلوغ الهذيان وإنكار الواقع وترويج الأوهام لهذه الذروة لم يثبت ماسعى إليه ،بل قدم الدليل على عكسه، فقد حظى المسلسل بنسبة مشاهدة عالية فى مصر وفى الأراضي الفلسطينية المحتلة ، ونال اهتماما عربيا ودوليا لم يمتد لغيره من المسلسلات،ولم ينجح اقتناص كلمة من هنا ، وجملة حوارية من هناك فى وصم المسلسل بالترويج للتطبيع إذ الواقع أنه فعل العكس. والدراما لا تنسخ الواقع ، ولا تصوره كما هو ، بل تنفذ إلى ما وراء هذا الواقع ، وتلملم أجزاءه المتناثرة، للوصول إلى الرؤية الفنية الكلية الشاملة. ويروى المسلسل قصة حب بالغة النعومة والعذوبة بين فتاة يهودية مصرية وضابط شاب مسلم ،تقع أحداثها فى حارة اليهود اثناء حرب 48، والعقبات الثقافية والاجتماعية والسياسية التى اعترضت تلك العلاقة ،وانتهت بالتفريق بين بطليها .وفى هذه الأثناء يؤكد المسلسل ماهو مؤكد: فمصر فى تلك الأزمان كانت وطنا يتسع لكل ابنائه أقباطا ويهودا ومسلمين، وقد شكل التآلف والتآخى والمودة فيما بينهم الأساس للتماسك الاجتماعى المصرى، الذى عززته الفطرة المصرية السليمة بما كانت تملكه من نزوع تلقائى للتسامح ،و نهض على ما نعرفه فى زماننا بحقوق المواطنة ،التى لا تميز بين الأديان والأعراق والثقافات والأجناس، فكل هؤلاء أمام القانون وبداخله سواء. ولأن المسلسل لا يكتفى ببعث الحنين إلى ماض مبهج كان التناغم والتآلف بين الطوائف المصرية عنوانه، بل ينصت لآلام الحاضر وأحلامه ،فحربنا مع إسرائيل ليس لأنها دولة يهودية،بل لأنها دولة احتلال استعمارى ، وقد جلب زرعها فى المنطقة المعادل الموضوعى لعنصريتها ببروز المد الأصولى الرجعى الملتحف بالدين، ممثلا فى جماعة الإخوان التى حولت الصراع معها إلى صراع دينى، وخربت فى السلوك والنسيج الاجتماعى المتماسك بين المصريين وأفسدت المناخ الذى كان يرعى التنوع الإنسانى ويصونه بالدعوة لعداء ومحاربة غير المسلمين، وارتضت بالإرهاب وسيلة وحيدة لممارسة الاختلاف فى السياسة، وهل هذا شيء مغاير لما يجرى الآن فى واقعنا الراهن؟ هذا ليس سؤالا يطرحه المسلسل ، بل هو التفاعل الخلاق مع أحداث الحاضر، فبينما كان الدين فى المسلسل فعل اغناء للتنوع والتباين والاختلاف بين المصريين، صار خلطه بالسياسة إنحرافاً بالدين والسياسة معا، وتكريساً للتسلط والتجبر والاستبداد تحت رايات دينية. ثلاثون حلقة من حارة اليهود شكلت متعة للروح وللذوق ولانعاش الخيال ومخاطبة كل ماهو خير وطيب ونبيل فى نفوس البشر ، ما كان ممكنا ان ينطوى على كل هذا الجمال بغير نخبة رائعة من الفنانين والفنيين، يقودها مايسترو بارع هو المخرج «محمد جمال العدل»، تألق من بينهم أياد نصار وهالة صدقى وأحمد كمال وسامى العدل وسلوى محمد على وسيد رجب وصفاء الطوخى، وقدمت النجمة الرائعة «منة شلبى» واحدا من أهم وأصعب أدوارها ،وهى تجسد برهافة حس واقتدار الحالات الشعورية الكثيفة والمتقلبة ، والشروخ النفسية والوجدانية التى فرضت عليها أن تنهى قصة حبها ، وتغادر البلد الذى نشأت وتربت فيه و عشقت أهله وناسه . فى كتابه « الدنيا أجمل من الجنة» الذى يرصد فيه مؤلفه خالد البرى سيرته الشخصية حول انضمامه للجماعة الإسلامية فى اسيوط وانشقاقه عنها ، ودراسته للطب وتخرجه عام 1997، يروى أنه تلقى تعليمه الابتدائى فى مدرسة الراهبات الفرنسيسكان ، كما كان يذهب إلى الكنيسة لمشاهدة الأفلام الأجنبية ، ويحفظ مع زملائه الترانيم المسيحية، وحين يغيب مدرس الدين الإسلامى، فكانت مسز أوجنى تقوم بدوره وتسمع له ولزملائه آيات القرآن الكريم ،و يشهد أنها لم تكن تتهاون فى كلمة أو كسرة أو فتحة أو ضمه. هذا المناخ المحمل بالصفاء النقى بين ابناء الوطن الواحد، هو ما يصبو إلى استعادته مسلسل حارة اليهود. وهو نفسه المناخ الذى سمح فى الماضى بتولى اثنين من أقباط مصر رئاسة الحكومة المصرية ، وهو الذى أخرج الطبيب المصرى العالمى القبطى الدكتور «نجيب محفوظ» مؤسس طب أمراض النساء والولادة فى مصرالذى توفى عن تسعين عاما سنة 1972، ولم يكن يدور فى خلده ، أن أحفاده من الأقباط المتفوقين يحرم عليهم الالتحاق – امتثالا لأفكار ظلامية متعصبة وفاسدة- بأقسام طب أمراض النساء والولادة !!
أمينة النقاش
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض