حكم القنوت في صلاة الفجر
قالت دار الإفتاء المصرية، إن القُنُوت في صلاة الفجر سُنَّةٌ نبويّةٌ ماضيةٌ قال بها أكثر السلف الصالح مِن الصحابة والتابعين فَمَن بعدهم مِن علماء الأمصار، وجاء فيه حديث أنس بن مالك رضي الله عنه: "أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وآله وسلم قَنَتَ شَهْرًا يَدْعُو عَلَيْهِمْ ثُمَّ تَرَكَهُ، وَأَمَّا فِي الصُّبْحِ فَلَمْ يَزَلْ يَقْنُتُ حَتَّى فَارَقَ الدُّنْيَا"؛ وهو حديثٌ صحيحٌ رواه جماعةٌ مِن الحُفَّاظ وصَحَّحُوه –كما قال الإمام النووي وغيره– وبه أخذ الشَّافِعيَّة والمَالِكيَّة في المشهور عنهم؛ فيُستَحَبُّ عندهم القنوتُ في الفجر مُطلَقًا، وحَمَلُوا ما رُويَ في نَسْخِ القنوت أو النَّهي عنه على أنَّ المتروك منه هو الدعاء على أقوامٍ بأعيانهم لا مطلق القنوت.
اقرأ أيضًا.. هل كلّ ما ترك رسول الله فعله لا يجوز للمسلم أن يفعله؟
أضافت "الدار" عبر موقعها الرسمي، أن الإمام الحافظ أبو بكر الحازمي قال في كتابه "الاعتبار في الناسخ والمنسوخ مِن الآثار": [وقد اختلف الناس في القنوت في صلاة الصبح؛ فذهب أكثر الناس مِن الصحابة والتابعين فَمَن بعدهم مِن علماء الأمصار إلى إثبات القنوت:
فَمِمَّن روينا ذلك عنه مِن الصحابة: الخلفاء الراشدون؛ أبو بكرٍ وعمر وعثمان وعلي رضوان الله تعالى عليهم أجمعين، ومِن الصحابة أيضًا: عمار بن ياسر، وأبي بن كعب، وأبو موسى الأشعري، وعبد الرحمن بن أبي بكرٍ الصديق، وعبد الله بن عباس، وأبو هريرة، والبراء بن عازب، وأنس بن مالك، وأبو حليمة معاذ بن الحارث الأنصاري، وخفاف بن إيماء بن رحضة، وأهبان بن صيفي، وسهل بن سعد الساعدي، وعرفجة بن شريح الأشجعي، ومعاوية بن أبي سفيان، وعائشة الصدِّيقة رضي الله عنهم.
وتابعت: ومِن المخضرمين: أبو رجاء العطاردي، وسويد بن غفلة، وأبو عثمان النهدي، وأبو رافع الصائغ، ومِن التابعين: سعيد بن المسيب، والحسن بن أبي الحسن البصري، ومحمد بن سيرين، وأبان بن عثمان، وقتادة، وطاوس، وعبيد بن عمير، والربيع بن خثيم، وأيوب السختياني، وعبيدة السلماني، وعروة بن الزبير، وزياد بن عثمان، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، وعمر بن عبدالعزيز، وحميد الطويل.
ومِن الأئمة والفقهاء: أبو إسحاق، وأبو بكر بن محمد، والحكم بن عتيبة، وحماد، ومالك بن أنس، وأهل الحجاز، والأوزاعي، وأكثر أهل الشام، والشافعي وأصحابه، وعن الثوري روايتان، وغير هؤلاء خلقٌ كثير، وخالفهم في ذلك نَفَرٌ مِن أهل العلم ومنعوا مِن شرعية القنوت في الصبح، وزعم نَفَرٌ منهم أنه كان مشروعًا ثم نُسِخ، وتمسَّكوا في ذلك بأحاديث تُوهِم النَّسخ].
وتابعت: الفريق الآخر مِن العلماء يرى أنَّ القنوت في صلاة الفجر إنَّما يكون في النوازل التي تقع بالمسلمين، فإذا لم تكن هناك نازلة تستدعي القنوت فإنَّه لا يكون حينئذٍ مشروعًا، وهذا مذهب الحَنفِيَّة والحنابلة.
وأوضحت الدار، أنه إذا أَلَمَّتْ بالمسلمين نازلةٌ فلا خلاف في مشروعية القنوت في الفجر عند الجميع، وإنَّما الخلاف في القنوت للنازلة في غير الفجر مِن الصلوات المكتوبة؛ فمِن العلماء مَن رأى الاقتصار في القنوت على صلاة الفجر؛ كالمالكية، ومنهم مَن عَدَّى ذلك إلى بقية الصلوات الجهرية؛
وتابعت: الحاصلُ أنَّ العلماء إنَّما اختلفوا في مشروعية القنوت في صلاة الفجر في غير النوازل، أمَّا في النوازل فقد اتفق العلماء على مشروعية القنوت واستحبابه في صلاة الفجر واختلفوا في غيرها مِن الصلوات المكتوبة، ولا يخفى على الناظر ما تعيشه الأمة الإسلامية مِن النوازل والنكبات والأوبئة وتداعي الأمم عليها مِن كل جانبٍ وما يستوجبه ذلك مِن كثرة الدعاء والتضرع إلى الله تعالى.
وبينت الدار، أن مِن العلماء مَن قال بتواصل النوازل وعدم محدوديتها؛ وهذا يقتضي مشروعية قنوت الفجر في هذا العصر، ولا يتأتَّى عدم القنوت حينئذٍ إلَّا على قول مَن قال بمحدودية النازلة ووَقَّتَها بما لا يزيد على شهرٍ أو أربعين يومًا.
وأوضحت أنه إذا أخذ المسلم بقول مَن قَصَر القنوت على النوازل فقط فليس له أن يُبَدِّع غيره مِمَّن يقنت في الفجر على كلّ حال، ولذلك فعندما ارتضى ابن القيم الحنبلي القولَ بِقَصْرِ القنوت على النوازل فقط وَصَفَ القائلين بذلك في "زاد المعاد" (1/ 226، ط. مؤسسة الرسالة) بأنهم: [لا يُنكِرون على مَن داوم عليه، ولا يَكرَهون فعلَه، ولا يَرَوْنه بدعةً، ولا فاعله مخالفًا لِلسُّنَّة. كما لا يُنكِرون على مَن أنكره عند النوازل، ولا يرون تَركَه بدعة، ولا تاركَه مخالفًا لِلسُّنَّة. بل مَن قَنَتَ فقد أحسن، ومَن تَرَكَه فقد أحسن].
واختتمت الدار قائلة: والأمر مبنِيٌّ على أنَّ مَنْ قنت في الفجر فقد قلَّد مذهب أحد الأئمة المجتهدين المتبوعين الذين أُمرنا باتِّباعهم في قوله سبحانه وتعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: 43]، ومَن كان مُقلِّدًا لمذهب إمامٍ آخر يرى صوابه في هذه المسألة فلا يحقّ له الإنكار على مَن يقنت؛ لأنَّه "لا يُنكَر المختلف فيه"، ولأنه "لا يُنقَض الاجتهاد بالاجتهاد".
لمزيد من أخبار قسم دنيا ودين تابع alwafd.news
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض