النباش
الحياة المصغرة لهؤلاء القوم ليست كمثيلاتها من حيوات فى أماكن أخرى، هنا فى المستودع الحياة بصنوف التجارب التى مرت عليك ولم تمر، داخل حينا الفقير والطيب ولد المستودع، نفخة من روح أعادت الخرابة القديمة لحياة هؤلاء القوم، مستودع المعلم توفيق للخردة، صنوف من بشر أعمار مختلفة، المستودع لجمع الكرتون والبلاستيك والأوانى القديمة وكل ما هو قديم، كذلك بشر المستودع وأناس المستودع، هنا قانون واحد، هو قانون المعلم توفيق الذى وضعت مواده الدستورية كمزلاج بوابة للدخول أو الطرد من المستودع... الحق أننى لم أنجح فى معرفة كل البنود الدستورية لقانون المستودع، ما عرفته فقط أن هناك لائحة عريضة يجب أن توضع داخل رأس كل نباش مفادها الآتى: «لا تحدثنى عن تاريخك أو أنك كنت من أعيان بلدكم والزمن قد دار بك، لن أصدقك... كل من جاءنى أسمعنى ورمى فى أذنى هذه الجمل بكلمات مختلفة، مهنتك معى نباش، يختار تخصصا، إما صفائح المياه الغازية «الكانز» أو البلاستيك أو النحاس القديم « داخل المستودع أناس من أجناس شتى فى الوطن الواحد، المنوفى والفيومى والصعيدى والشرقاوى والقاهرى، ربما اندهشت أنه لا يوجد نفر من مدينتنا يعمل فى المستودع، المستودع هو موطن الاغراب فقط حيث وراء كل نفر حدوتة لا يظهر منها إلا شواشى فقط..... الغرباء لا يختارون أماكن قريبة، دائما ما يكون الفرار لمساحات أبعد تمنحهم لذة النسيان وتذكرة هروب لعالم يجهلهم فيه المواطنون الجدد.
شارع سيدى مرزوق شارع طيب، ربما أنعم الولى الذى دفن فيه بنفحة القلب الطيب لأناسه، أهله لا يتفحصون هوية القادم والغائب والحاضر، هناك مقولة رددتها نسوة الشارع منذ سنوات، «العالم بحال العباد ربنا... والهدوم يا ما بتدارى»، لذا كان القانون الأكبر لمنطقتنا مطابق وموازٍ لقانون المستودع.
كان يشدنى مشهده، شاب بدين غطت ملامح الهباب وسواد القمامة التى ينبش فيها مظهره، طيب حنون، راعنى أنه كان يعطى قطط الشارع التى كانت تمر بجواره بعضا من طعامه، فهو أشبه بكتلة بشرية متداخلة معالمها داخل بعضها بينما هناك بنطال مربوط بدوبارة تتدلى أشبه بقطة مربوطة من رقبتها لتحاوط كرشه المتبعثر امامه، فهو لا يعنيه من الدنيا سوى الطعام، هكذا حكمت عليه إذا صادفنى فى أى مرة رأيته فمه يلعب ويلوك طعاما بينما بقايا من طعامه تتساقط من فمه، وعلى الرغم من الغبرة والهباب الذى غطى ملامحه إلا أن بعضا من مظهره قد يتبدى للرائى وبخاصة شعره القصير المجعد مع اطلالة من أذنه التى تحتل حيزا من دائرة الوجه، وكلما رآنى يتلعثم وهو يلقى السلام: «إزيك يا دو..دو,,,كتوووووووررر». ولأن قانون المستودع يقوم على مهارة تصيد المنفعة واقتناص الخردة من بين القمامة والمقاهي، كان صاحبنا النباش «محمد» هو مصدر الطمع البوهيمى داخل نفوس بشر المستودع، حيث تلقى عليه أغلبية الأعمال من رفاقه الذين نجحوا فى استهبال واستكراد الضعفاء قليلى الحيلة مثل نباشنا الذى نتحدث عنه. فهو مسروق من رفاقه حيث يلهونه لسرقة بعض محتويات شيكارة كده اليومى، لتثقيل ميزانهم أو يضحك عليه أحدهم فيعطيه سندوتش كبدة مقابل مشاركته فى العمل لتنظيف بيت أو سطوح منزل اتفقت صاحبته مع أحد النباشين لتنظيفه مقابل الانتفاع ببقايا الخردة والروباببكيا التى تشغل المكان.
جرى يومى أمس على غير عادتى، حاولت الانتهاء من بعض العمل وكنت قد قصدت لقاء بعض الزملاء غير أننى فوجئت برغبتى للتوجه للمنزل عبر المرور بشارعنا
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض