الفلاح «يشيل» الطين.. والتاجر يرفع الأسعار
مع الارتفاع الرهيب فى أسعار الخضراوات والفاكهة وكافة المحاصيل الزراعية، أصبحت أصابع الاتهام موجهة الى الفلاح باعتباره أول حلقات سلسلة الانتاج.. وفى إطار سعينا للبحث عن سر الارتفاع
غير المسبوق فى الأسعار، توجهنا الى المزارعين باحثين عن الحقيقة وراء هذا الارتفاع... نفى المزارعون التهمة عن أنفسهم، وأكدوا أنهم يبيعون المنتجات بالسعر الذى يحدده التاجر رغم ارتفاع تكاليف الانتاج، وأشاروا إلى أن الزراعة لم تعد مهنة مربحة فالفلاح «يشيل» الطين، بينما يأتى التاجر ليقاسمه رزقه بدون تعب أو جهد.
«محلاها عيشة الفلاح» جملة محفورة فىأذهاننا جميعاً منذ أن تغنى بها الفنان محمد عبدالوهاب، راسماً صورة وردية لحياة الفلاح المصرى، وترسخت هذه الصورة في أذهاننا لعقود طويلة، حتى تغيرت الأوضاع علىأرض الواقع كما تغير كل شىء فى مصر، فالفلاح لم يعد يرمى بذوره فى انتظار أن تنضج ثم يحصدها فرحاً بعيد الحصاد، تغيرت الأوضاع وأصبحت حياة الفلاح سلسلة من التعب والجهد دون ثمرة حقيقية، بل إنه يضطر أحياناً إلى البيع بالخسارة أو اطعامه للبهائم، وهو ما أكده فؤاد مرعى «مزارع» من قرية قمرونة بمركز منيا القمح، محافظة الشرقية، وأشار الى أن الزراعة لم تعد مهنة مربحة، ولولا أنها مهنتنا الوحيدة التى ورثناها عن آبائنا لتركنا الأرض دون زراعة وعملنا فى أى مهنة أخرى، وأضاف «مرعى» أن كل شىء أسعاره نار، التقاوى والكيماويات والسولار الذى يستخدم فى رى الأرض وحرثها، حتى أننا نتأخر في زراعة بعض المحاصيل، نظراً لعدم وجود السولار، وحتى المياه أصبحت معاناة بالنسبة لنا.
وعن الاتهام الموجه للفلاحين برفع أسعار الخضر والفاكهة قال «مرعى»: نحن لا نحدد سعر بيع أى محصول فالحكومة تحدد أسعار بيع المحاصيل الكبرى مثل الأرز والقمح والذرة فى حين يحدد التاجر أسعار الخضراوات والفاكهة، حيث نبيع له المحصول «على رأس الغيط» وبالسعر الذى يحدده هو وأضاف أزرع الباذنجان فى أرضى، ويأتى التاجر ليشتريه بما يتراوح بين «60» و«70» قرشاً للكيلو، رغم أن تكاليف الزراعة عالية جداً، فالفدان يحتاج الى «8» شكائر يوريا وسعر الشيكارة الواحدة «150» جنيهاً لأنها غير متوافرة فى الجمعية الزراعية بالاضافة الى «300» جنيه للحرث، وأستعين بنحو «6» رجال للعزق، ويومية العامل الواحد منهم «50» جنيهاً، أى أننى أحتاج الى«300» جنيه للعزق، وارتفعت تكاليف الرى الى نحو «300» جنيه أخرى، بسبب أزمة السولار التى رفعت سعر ساعة الرى من «6» جنيهات الى «10» جنيهات للمرة الواحدة، أى أن زراعة الفدان الواحد تتكلف نحو «2100» جنيه بدون سعر التقاوى التى تختلف عن محصول لاخر من عام لآخر، بالاضافة إلى ارتفاع القيمة الايجارية، للفدان التى وصلت التى وصلت الى «6» آلاف جنيه فى العام، ورغم كل هذه التكاليف لا نحصل على شىء، بينما يقاسمنا التاجر رزقنا ويشترى المحصول بالسعر الذى يحدده هو، ونحن لا نملك سوى البيع بهذا السعر حتى لو كان لا يفى بالتكاليف ويلتقط عبدالله على أطراف الحديث، مشيراً الى انه يزرع أرضه بعدة محاصيل، منها الذرة والأرز والكوسة والخيار والقتة والباذنجان، ورغم كل هذا فالسعر الذى يبيع به هذه المحاصيل لا يفى بتكاليف زراعتها، وأضاف أن أسعار التكلفة فى ارتفاع مستمر بدءاً من التقاوى التى وصلت هذا الموسم الى«45» جنيهاً للعلبة، الكوسة «18» جراماً فى حين يحتاج القيراط الواحد لنحو «10» علب، بينما كنا نشتريها من قبل بـ«10» جنيهات للأوقية، ووصلت أسعار تقاوى الخيار الى «45» جنيهاً، والباذنجان الى «60» جنيهاً وارتفعت ـ أيضاً ـ أسعار تقاوى الطماطم، حتى أننا أصبحنا لا نزرعها بسبب الخسائر التى نتكبدها فى المحصول بالاضافة لارتفاع تكاليف الرى والكيماوى والعمالة، حيث وصلت يومية العامل الى ما يتراوح بين «30» و«50» جنيهاً للعمل من الساعة السابعة حتى الساعة الحادية عشرة صباحاً، وفى آخر النهار من الرابعة عصراً حتى السادسة مساء يحاسب العامل عن كل فترة بيومية مستقلة، وكل هذه التكاليف، ندفعها ولا نجد من يراعيها عند بيع المحصول، فالتاجر يحدد السعر ونحن نرضى بما نحصل عليه حتى لو كان أقل القليل.
وعلى عكس الصورة الوردية لحياة الفلاح، والتى
تركنا الفلاح الفصيح عم عيد، وتوجهنا الى سيد عبدالله الذى كان يعمل فى أرضه، وأكد ارتفاع أسعار جميع تكاليف الزراعة وأن الخضراوات تحتاج أكثر من غيرها من المحاصيل للخدمة، ومع ذلك لا نستطيع الامتناع عن زراعتها، فهى الوسيلة الوحيدة، لوجود سيولة مالية فى أيدينا خاصة اننا نزرع محاصيل تظل فى الأرض كثيراً مثل الأرز والذرة وأضاف أن الخضراوات تحتاج إلى مصاريف إضافة لأننا نستخدم فيها أسمدة أكثر من المحاصيل الأخرى، فهى تحتاج الى «3» شكائر يوريا فى كل مرة يتم فيها رى الأرض، وسعر الشيكارة الوحدة «150» جنيهاً بالاضافة الى المبيدات التى يتم رشها كل «3»أيام، فالفدان يستهلك مبيدات بحوالى «300» جنيه، بالاضافة لتكاليف الرى والحرث والتنقية، وفى النهاية نضطر لبيع المحصول بأى سعر بدلاً من إلقائه للبهائم!
وبجوار حقل «سيد» يوجد حقل آخر «بور» يقص علينا المزارعون من جيرانه قصة صاحبه الذى أنفق عليه «20» ألف جنيه لزراعة الجزر، لكن الزراعة أصابها التلف فترك الأرض بوراً، بعد أن استدان وأصبح مهدداً بالسجن، وأكد حسين عفيفى أنه يخشى أن يصبح مصيره مثل مصير هذا الجار الذى أنفق كل ما لديه على الزراعة، وأشار الى ان ايجارات الأراضى ترتفع من عام لآخر حتى وصلت الى «6» آلاف جنيهاً للفدان، ومع ارتفاع تكاليف الزراعة أصبح الفلاح يزرع الأرض ويبيع المحصول ولا يستطيع الوفاء بديونه حتى أن معظمنا أصبح مديناً للبنك، وأصبحنا مهددين بالسجن، والتجار يشترون المحصول منا بأبخس الأسعار ويحددون السعر لنا وللمستهلك أيضاً ويتساءل: إذن من هو المسئول عن ارتفاع الأسعار؟
ويكشف «حسين» عن مفارقة غريبة قائلاً: التاجر يشترى منا كيلو الطماطم بجنيهين أو ثلاثة جنيهات ويبيعه فى السوق كيفما يشاء،واذا أردت شراء كيلو طماطم من السوق أشتريه بـ«6» جنيهات فأنا أبيعه للتاجر بسعر وأشتريه من تاجر آخر بأضعاف سعره، فكيف يعقل هذا؟!!
هكذا حاول المزارعون تبرئة أنفسهم من تهمة رفع الأسعار، مؤكدين أن التجار هم المسئولون عن تحديد سعر الشراء من الفلاح،وسعر البيع للمستهلك أيضاً.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض