يـا دهــــب مـــــين يشتريــــــك؟!
من المعروف أن لشراء الذهب مواسم معينة خلال السنة, أبرزها عيد الفطر المبارك بسبب كثرة مناسبات الزواج والخطوبة, حيث تشهد سوق الذهب نشاطاً فى حركة البيع والشراء, ولو نسبياً مقارنة بالشهور الأخرى طوال العام, ولكن هذا العام يبدو أن ارتفاع مختلف السلع الأخرى التى تدخل ضمن جهاز العروسين أثر بشكل سلبى على سوق الذهب.
«الوفد» انتقلت إلى منطقة «الصاغة» - أشهر أسواق بيع الذهب فى مصر- لنتفقد أجواء الموسم الوضع كان عكس المعتاد كل سنة, اشتكى التجار من ضعف نسبة الإقبال على شراء الذهب, وأكدوا أنها ضعيفة لا تزيد على 20% من المعتاد فى مثل هذه الأيام من كل عام, وأن كميات الذهب المشتراة أقل من مثيلاتها فى الأعوام السابقة نتيجة ارتفاع الأسعار.
ويعد شراء الذهب بكميات كبيرة من العادات القديمة فى المجتمع المصرى عند إقامة مناسبات الخطوبة والزواج وخاصة فى الأقاليم ومحافظات الوجه القبلى، ولكن هذه العادة يبدو أنها ستبدأ فى الاختفاء والتلاشى خلال السنوات القليلة القادمة بسبب ارتفاع أسعار كل السلع والخدمات التى تدخل فى جهاز العروسين، وبالتالى أصبح شراء الذهب يأتى فى نهاية الأولويات، وقد لا يأتى فى بعض الحالات أيضاً.
أسعار الذهب فى الماضى القريب كانت فى متناول معظم أبناء الشعب المصرى، ولكنها بدأت فى الارتفاع الكبير خلال السنوات الخمس الأخيرة لتصبح فى متناول الأغنياء فقط، فبعد أن كان جرام الذهب ما بين 50 و100 جنيه، أصبح حالياً يتراوح ما بين 500 و700 جنيه، ومن كان يشترى شبكة للعروسين 100 جرام بـ10 آلاف جنيه أصبح يشترى 10 جرامات بـ10 آلاف جنيه أيضاً.
تحدثت «الوفد» مع عدد من تجار الذهب والمواطنين فى الصاغة عن الوضع الحالى للسوق، وقال محمد كامل، تاجر ذهب، إن الاقبال حتى الآن أقل من المتوسط والشبكة الآن أغلب الناس تطلبها «دبلة وخاتم ومحبس» فى حدود 5 أو 6 آلاف جنيه أى 7.5 جرام تقريباً، ومن يطلب شبكة بـ10 آلاف جنيه نعتبره من الأغنياء. وتم التحايل على هذا خاصة فى الصعيد لكتابة عدد جرامات أكثر فى «القارعة» بينما الشراء الفعلى لا يزيد على 10 آلاف جنيه. وأضاف كامل أن ارتفاع أسعار السلع الأخرى فى جهاز العروسين مثل الثلاجات والغسالات ومعظم الأجهزة الكهربائية، جعل الذهب آخر ما يفكر فيه أهل العروسين، قائلاً: «العرسان بقت تقول اللى يتبقى من شراء الأجهزة الكهربائية والخشب نجيب بيه دهب». وهذا بالفعل ما أكده عدد من المواطنين الذين قالوا إنهم أصبحوا يفضلون شراء الأجهزة الكهربائية والخشب فى البداية، ثم يفكرون بعد ذلك فى شراء الذهب إذا كان لديهم فوائض مالية، قائلين: «مش لازم ذهب علشان نفرح ولكن المهم الأجهزة الأساسية مثلما فعلت ولاء التى ضحت بثمن الشبكة لشراء غسالة أتوماتيك وثلاجة لاستكمال جهازها.
وهذا أيضًا حدث مع محمد، شاب مقبل على الزواج، الذى اكتفى بشراء دبلة وخاتم واستغنى العروس عن الشبكة لشراء الأجهزة الكهربائية.
من ناحية أخرى، قال عادل فريد، تاجر ذهب، إن نسبة الإقبال تتراوح بين 10 إلى 20 %، مضيفاً: «مفيش بيع ولا شراء زى كل سنة» والعرائس معظمها لا يتمسك بالشبكة تمشيًا مع الظروف الاقتصادية. وتابع فريد: «عيار 14 فشل والعرب عموماً يحبوا الأعيرة العالية وفى الصعيد عندنا لا يعترفون بعيار 18 وبيقولوا عليه مش ذهب يبقى إزاى هيقبلوا على شراء الأقل منه.. الأعيرة الصغيرة مصنعيتها عالية جداً رغم أن أشكالها أحلى من 21 و18 ولكن سعرها النهائى يقترب من 18 ولذلك أعرض الناس عنها وفشلت التجربة».
وأشار فريد إلى أن من كان يشترى ذهباً فى الماضى 100 جرام عندما كان الذهب بـ40 و50 جنيهاً أى بتكلفة 5000 جنيه، أصبح الآن يشترى 10 جرامات بـ10 آلاف جنيه.
فيما قال جرجس فوزى، أحد العاملين بمحل ذهب، إن الذهب أصبح سلعة غير مطلوبة كما كان فى الماضى، لأن سعره ارتفع بشكل كبير، وبالتالى الركود يضرب السوق باستمرار، عدا أيام المواسم التى تزيد فيها حركة البيع والشراء نسبياً.
وأضاف جرجس: «الحركة بتزيد لكنها مش زى زمان طبعاً.. وانت أهوه شايف بعينك الصاغة فاضية ومفيهاش حد رغم أن موسم العيد ده من أهم المواسم.. الذهب الأول كان فى متناول الجميع والمواطن كان بيشترى غوايش وسلاسل لكن دلوقتى يوم ما حد بيشترى بيكون خاتم أو دبلة أو محبس».
بينما قال عبدالعزيز حسنى، تاجر ذهب، إن وضع سوق الذهب فى الصاغة سيئ ولا يرضى أحداً، ونسبة الإقبال ضعيفة بسبب ارتفاع الأسعار المستمر الذى يجعل المواطنين يحجمون عن شراء الذهب، مضيفاً: «سوق الذهب اقتصادياً تموت تدريجياً بسبب انخفاض نسب الإقبال على الشراء».
سكرتير شعبة الذهب: طرح أعيرة جديدة لن ينشط حركة البيع والشراء
من جهته، قال نادى نجيب، سكرتير عام شعبة الذهب بغرفة القاهرة التجارية، إن الإقبال على شراء الذهب حتى الآن فى موسم العيد والذى يعد أحد أهم المواسم بالنسبة للتجار، ما زال ضعيفاً وليس كالمعتاد فى كل عام.
وأضاف نجيب، أن ذلك يرجع إلى نقص السيولة المالية لدى المواطنين بسبب ارتفاع الأسعار فى مختلف السلع الأخرى، رغم أن الذهب حالياً فى أدنى مستوى له خلال 6 أشهر، حيث انخفض الجرام بنحو 45 جنيهاً على الأقل، وهذا أدعى إلى الشراء، متابعاً: «ولكن عادة المصريين للأسف المتمثلة فى إن السلعة لما ترخص نستنى عليها شوية علشان هترخص أكتر وبعد كده نشترى هى السبب فى هذا الركود».
وأوضح سكرتير عام شعبة الذهب، أنه من المؤكد أن تزداد حركة البيع والشراء قبل العيد بسبب
وحول ما يثار عن إمكانية طرح أعيرة جديدة كعيار 8 و9 و12، أشار نجيب إلى أن هذه الأعيرة موجودة بالفعل منذ فترة ولكن لم يتم تفعيلها فى السوق، موضحاً أن الأعيرة الرسمية المعتمدة فى مصلحة الدمغة هى «23.5، 21، 18، 14، 12، 9»، ولكن الإقبال مقصور على عيارى 21 و18 فقط.
ولفت سكرتير عام شعبة الذهب إلى أن الإقبال على شراء الأعيرة «14، 12، 9» ضعيف جداً، لأن المواطن المصرى متمسك بعيارى 21 و18، لأنه يعتبرهم ذهب حقيقى، عكس الأعيرة الأخرى التى يعتبرها «نحاس» أكثر منها ذهبا، مضيفاً: «كمان كل ما العيار انخفض فإن المصنعية ترتفع، لأن نسبة التشغيل والتحسين والتشكيل والتلوين ترتفع، وبالتالى سعر الجرام النهائى يرتفع ويصل إلى عيار 18 و21».
«الثقافة المصرية لا تعترف بالأعيرة المنخفضة، رغم أنها أفضل من الذهب الصينى الذى يعتبر إكسسوار ليس أكثر، لأنه صناعى وليس ذهباً أبدا، كما أن له آثاراً سلبية على الجلد ولونه يتغير مع مرور الوقت فضلاً عن أنه دون فواتير، أما الأعيرة المنخفضة فهى مضمونة ورسمية»، بحسب نادى نجيب. ولحل أزمة الركود وتنشيط السوق، أشار سكرتير عام شعبة الذهب، إلى أن التجار لجأوا إلى تخفيف الأوزان لجذب المواطنين للشراء، بحيث إن الدبلة أو الخاتم يكون 3 أو 4 جرامات بدلاً من 8 جرامات، وهكذا مع باقى الأنواع.
خبير اقتصادى: الذهب ما زال الوعاء الآمن للادخار رغم ارتفاع سعره
قال الخبير الاقتصادى، وائل النحاس، إن الذهب ما زال حتى الآن الوعاء الآمن للادخار رغم ارتفاع سعره خلال السنوات القليلة الماضية.
وأضاف النحاس، أن الذهب ما زال الضمانة الأكبر للأسرة المصرية وتأمين مستقبل أفرادها فى كثير من الأحيان، متابعاً: «ناس كتيرة لسه بتشترى ذهب وتحتفظ بيه علشان لما أولادهم يكبروا يقدروا يعلموهم كويس ويدخلوهم جامعات محترمة ويجوزوهم». وأوضح الخبير الاقتصادى، أن انخفاض أسعار الدولار والذهب عالمياً مؤخراً، يعطى ميزة لسوق الذهب المصرى، ولكن رغم ذلك فإن الركود لا يزال مستمراً، لعدم وجود فوائض مالية لدى المصريين، بسبب تآكل القدرة الشرائية نتيجة ارتفاع أسعار مختلف السلع والخدمات فى المجتمع خلال السنوات الثلاث الماضية.
وحول اقتراحات ظهور أعيرة جديدة منخفضة فى السوق، أشار النحاس إلى أن ذلك يطمس هوية صناعة الذهب والاستثمار فيها، ويضيع أموال المصريين، موضحاً أن هذه الأعيرة من الممكن أن تلقى رواجاً عند الذين يحبون مظاهر الوجاهة الاجتماعية، ولكنهم سيخسرون أموالهم مستقبلاً، متابعاً: «اللى هيشترى ذهب الأعيرة المنخفضة بـ10 آلاف جنيه مثلا علشان المظهر الاجتماعى، لما ييجى يبيعه بعد كده إذا أراد ذلك، فإنه سيخسر 40 أو 50% على الأقل». وأكمل: «الأعيرة المنخفضة نسبة النحاس والمواد الأخرى غير الذهب فيها كبيرة، ومصنعيتها عالية، وعلشان كده بنلاقى سعرها عند الشراء مرتفع جداً، وعند البيع منخفض جداً».
«الأعيرة الجديدة سوف تدمر صناعة الذهب المصرية وتغلق معظم ورش الذهب القديمة، لأنها تحتاج إلى مصانع وآلات حديثة، وغالباً ستكون استثمارات أجنبية وعربية، وبالتالى ستضيع على المصريين صناعتهم والعمال سوف يتم تسريحهم، ولذلك يجب الانتباه لهذا الخطر مبكراً»، بحسب الخبير الاقتصادى.
ولحل مشكلة الركود التى يعانيها سوق الذهب حالياً، اقترح «النحاس» تطوير وابتكار أشكال منتجات جديدة من عيارى 21 و18 تجذب انتباه المصريين بدلاً من الأعيرة الجديدة، وتكون شبكة الخطوبة أسورة وخاتم ذهب أصلى بدلاً من 5 غوايش ذهب غير مكتمل يحتوى على مواد أخرى كثيرة، وبالتالى نحافظ على استثمارات صناعة الذهب من ناحية، وقيمة أموال المصريين من ناحية أخرى، لأنه لا يجب تحويل الذهب من وعاء استثمارى إلى وعاء تجميلى ترفيهى.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض