اغتيال بطرس غالي.. "رصاصات الورداني" التي أعدمت رئيس الوزراء أمام وزارة الخارجية
في ظهيرة يوم الأحد 20 فبراير عام 1910، وقعت الجريمة التي دشنت عصر الاغتيالات السياسية في مصر الحديثة؛ حيث اغتيل "بطرس غالي باشا" بدم بارد أثناء خروجه من مقر وزارة الخارجية.
كشفت ملابسات الواقعة عن شاب صيدلي يدعى "إبراهيم الورداني" قرر أن ينهي حياة "رجل الدولة" ردا على توقيعه اتفاقية السودان وحادثة دنشواي، لتسجل دفاتر حوادث زمان أول محاكمة سياسية كبرى تحول فيها القاتل إلى "قديس" في نظر العوام ب أرشيف الدم.
بدأت المأساة في تمام الساعة الواحدة ظهرا، حينما كان بطرس غالي باشا يغادر ديوان الخارجية متوجها إلى عربته بدم بارد ضمن حوادث زمان، واتبع القاتل "إبراهيم الورداني" (العائد من دراسة الصيدلة في أوروبا وعضو الحزب الوطني) أسلوبا مباغتا.
حيث اقترب من الباشا وكأنه يريد تقديم "عرضحال"، وبمجرد اقترابه، أفرغ في جسده 6 رصاصات من مسدسه، استقرت ثلاث منها في رئته وكبده، واعتمد الورداني على ثبات انفعالي غريب.
حيث لم يحاول الفرار بل وقف يهتف "يسقط الخائن"، وأنهى الغدر حياة أول رئيس وزراء مسيحي في تاريخ مصر، وبحثت أجهزة الأمن عن "التنظيم السري" الذي حرض الشاب اليافع.
وسجلت محاضر الشرطة في ذلك الوقت أن الباشا فارق الحياة في اليوم التالي بعد محاولات يائسة لإنقاذه، لتنفجر قضية حوادث زمان المريرة تحت مسمى "رصاصات الورداني".
تطورت الملاحقة الأمنية بشكل سياسي حاد، حيث انقسمت مصر إلى فسطاطين؛ السلطة التي رأت في الجريمة "إرهابا"، والحركة الوطنية التي رأت فيها "قصاصا" من رجل وقع على تمديد امتياز قناة السويس بدم بارد بحوادث زمان.
ورصدت التحريات الأمنية أن الورداني كان ينتمي لجمعية "التضامن الأخوي" السرية، وشكلت النيابة العامة فريق تحقيق اصطدم بشعبية جارفة للقاتل، لدرجة أن الطلاب كانوا يهتفون في الشوارع “يا ورداني يا ما شاء الله.. قتلت بطرس غالي بالله”.
واستخدمت الشرطة شهادات الحرس الذين شلت المفاجأة حركتهم، وسجلت المعاينات الفنية دقة التصويب التي كشفت عن تدريب عسكري مسبق، وبقت واقعة اغتيال بطرس غالي هي الجريمة التي أيقظت "غول" الفتنة الطائفية التي وأدها المصريون لاحقا في ثورة 1919 ضمن حوادث زمان الغامضة.
اعترافات "الورداني" وسر الست رصاصات
كشفت كواليس التحقيقات عن نفسية "فدائية" لم تعرف التردد في حوادث زمان، واعترف إبراهيم الورداني بدم بارد أمام المحققين أنه قتل الباشا لثلاثة أسباب: “اتفاقية الحكم الثنائي في السودان، رئاسته لمحكمة دنشواي، وسعيه لتمديد امتياز القناة”.
وروى القاتل للمحققين ببرود أعصاب كيف اشترى المسدس من الخارج وخطط للعملية بمفرده (كما ادعى)، واستخرج رجال المباحث من منزله منشورات وطنية ومؤلفات ل "مصطفى كامل" في حوادث زمان الغادرة، وسجلت النيابة في مذكراتها أن الورداني رفض "الاسترحام" أو طلب العفو، معتبرا نفسه قد أدى واجبه نحو الوطن، لتكتمل فصول التراجيديا التي قسمت الأمة في أرشيف الدم.
حبل المشنقة وجنازة "البطل الشعبي"
أصدرت المحكمة حكمها التاريخي بإعدام "إبراهيم الورداني" شنقا حتى الموت في حوادث زمان، وهو الحكم الذي قوبل بمظاهرات عارمة، وفي صبيحة يوم التنفيذ 28 يونيو 1910.
سجلت التقارير أن الورداني تقدم للمشنقة وهو يبتسم، واقتادت مصلحة السجون "أول مغتال سياسي" في القرن إلى نهايته، وحضر تنفيذ العقوبة مندوبون عن القصر وسلطات الاحتلال.
واعتبر القانونيون أن المحاكمة كانت "مفصلية" في تاريخ القضاء المصري، حيث حاول الدفاع إثبات "الجنون" لكن الورداني نفسه رفض ذلك، وبقت قصة الورداني وبطرس غالي ذكرى للصراع بين "الشرعية القانونية" و"الشرعية الثورية" في حوادث زمان.
أثر "رصاصات الخارجية" في أرشيف الدم
تسببت قصة مقتل بطرس غالي في تشديد القوانين المقيدة للحريات (قانون المطبوعات) وفرض الرقابة الأمنية اللصيقة على السياسيين بحوادث زمان، وبحث المؤرخون في كواليس كيف أدى هذا الاغتيال إلى تعجيل بريطانيا بتثبيت أقدامها في مصر.
وخصصت بوابة الوفد في مراجعاتها الوثائقية ملفات عن "تاريخ الرصاص الوطني"، وبقت صورة الورداني على منصة الإعدام تذكر الجميع بأن العنف السياسي سلاح ذو حدين.
وصنفت حوادث زمان هذه الجريمة ك "أم الاغتيالات" في العصر الحديث، ليبقى اسم أرشيف الدم شاهدا على أن الدم يكتب التاريخ بمداد من النار.
