شامخ الشندويلي يكتب : مرآة الذات والوطن.. قراءة في التجربة الشعرية لثناء شلش
تُطلّ علينا الشاعرة ثناء شلش بصوت ينبض بالأصالة والانتماء، وتجربة وجدانية تتسع آفاقها لتشمل قضايا الأمة وهموم الإنسان ووجدانه الخاص، وينساب حرفها بقدرةٍ على مزج الذاتي بالموضوعي، حيث يتساوى عندها نبض القلب الفردي مع خفقان الوطن والأمة، مرتكزة على بيان متين وقاموس غنى بالصور والإيقاعات، ووفاء لروح التراث الشعري الخالد وأبعاده الرمزية.
في قصيدة «مولد الهدى» تظهر قدرتها على التعبيرعن السيرة العطرة بروح شفيفة، إذ ترسم مشاهد الميلاد النبوي بتصوير يبث الحياة في الطبيعة حين تقول:
وُلِدَ الهُدَى فَاخْضَرَّتِ البَيْدَاءُ ،، وَتَعَطَّرَتْ مِنْ نُورِهِ الأَجْوَاءُ.
وهو بيت يعكس التناغم بين الكون وعظمة الحدث النبوي:
وُلِدَ الهُدَى فَاخْضَرَّتِ البَيْدَاءُ
وَتَعَطَّرَتْ مِنْ نُورِهِ الأَجْوَاءُ
لَاحَ الهِلَالُ، وَذِي المَلَائِكُ بَشَّرَتْ
بِقُدُومِهِ، قَدْ جَاءَتِ الأَنْبَاءُ
ذَا نَجْمُ أَحْمَدَ فِي السَّمَاءِ يُزِينُهَا
دَحَرَ الظَّلَامَ، وَزَالَتِ الأَنْوَاءُ
أَكْرِمْ بِهِ مِنْ بَالِهُدَاية. جَاءَنَا
تَعْسًا لِمَنْ عَنْ دَرْبِهِ قَدْ نَاءُوا
يَا نَارَ كِسْرَى وَالمَجُوسِ أَلَا اخْمُدِي
فَالنُّورُ جَاءَ، انْزَاحَتِ الظَّلْمَاءُ
وَاهْتَزَّ عَرْشٌ وُطِّدَتْ أَرْكَانُهُ
وَبُحَيْرَةٌ قَدْ غَاضَ مِنْهَا المَاءُ
قَدْ شَبَّ وَالأَنْوَارُ تَعْلُو وَجْهَهُ
وَالقَلْبُ طُهْرٌ، رَحْمَةٌ وَنَقَاءُ
وَرَأَى الظَّلَامَ بِكُلِّ رُكْنٍ، سَيِّدِي
شِرْكًا وَظُلْمًا أَسْرَفَ الدُّهَمَاءُ
فَسَعَى إِلَى الرَّحْمَنِ يَطْلُبُ نُورَهُ
رَحِّبْ بِخَيْرِ المُرْسَلِينَ حِرَاءُ
قَدْ حُزْتَ مِنْ شَرَفِ النُّبُوَّةِ أَوْجُها
«اقْرَأْ» بِقَلْبِكَ، رَدَّدَتْ أَصْدَاءُ
وَتَعُودُ لِلزَّوْجِ الحَبِيبَةِ حائرًا
«أَنْ دَثِّرِينِي»، لِي إِلَيْكِ رَجَاءُ
فَتَقُولُ وَالبِشْرُ ابْتِسَامَةُ وَجْهِهَا:
حَاشَا لِمِثْلِكَ أَنْ يَحُلَّ بَلَاءُ
أَبْشِرْ، فَإِنَّكَ مُرْسَلٌ مِنْ خَالِقِي
قَالَ ابْنُ نَوْفَلَ: وَالطَّرِيقُ عَنَاءُ
كَابَدْتَ مِنْ أَجْلِ الرِّسَالَةِ، سَيِّدِي
تَحْتَ اللِّوَاءِ تَجَمَّعَ الفُرَقَاءُ
سَامَحْتَ مَنْ قَدْ بِالعَدَاوَةِ جَاهَرُوا
قُلْتَ: «اذْهَبُوا، بل أَنْتُمُ الطُّلَقَاءُ»
آخَيْتَ بَيْنَ مُهَاجِرٍ وَمُنَاصِرٍ
بِالدِّينِ أَنْتُمْ فِي الحُقُوقِ سَوَاءُ
أَرْسَيْتَ لِلدِّينِ الحَنِيفِ قَوَاعِدًا
بِاللِّينِ سُدتَ وَزَالَتِ البَغْضَاءُ
يَا سَيِّدَ الأَكْوَانِ، أَرْجُو أَحْرُفِي
تَسْمُو إِلَيْكُمْ، أَنْتُمُ العَلْيَاءُ
لِأَنَالَ فِي يَوْمِ القِيَامَةِ شَرْبَةً
مِنْ كَفِّكُمْ، هِيَ بَلْسَمٌ وَروَاءُ
صَلَّى عَلَيْكَ اللهُ يَا خَيْرَ الوَرَى
مَا أَنْشَدَتْ فِي أَيْكِهَا الوَرْقَاءُ
صَلَّى عَلَيْكَ اللهُ يَا عَلَمَ الهُدَى
مَا حَلَّ صُبْحٌ، مَا أَتَانَا مَسَاءُ
وهكذا تتأكد الموهبة الإيقاعية والصياغة اللغوية المتينة في نقل الحوار الخالد بين الرسول صلى الله عليه وسلم وزوجه خديجة حين تشدو:
وَتَعُودُ لِلزَّوْجِ الحَبِيبَةِ حائرًا ،، أَنْ دَثِّرِينِي، لِي إِلَيْكِ رَجَاءُ
فَتَقُولُ وَالبِشْرُ ابْتِسَامَةُ وَجْهِهَا ،،حَاشَا لِمِثْلِكَ أَنْ يَحُلَّ بَلَاءُ
في ترنيمة شجية تختم بها السيرة بأسمى صور التسامح في قولها: قُلْتَ: اذْهَبُوا، بل أَنْتُمُ الطُّلَقَاءُ
وفي قصيدة «غربة الروح»، تغوص الشاعرة في عمق النفس المعذبة بين أحضان الوطن، لتنطق بصرخة موجعة تختزل مرارة التمزق العربي في قولها:
وَغَرِيبٌ أنّ فِي حُضنِ الوَطَنْ ،، يَشْتَرِي الأَمْنَ وَيَغْلُو فِي الثَّمَنْ
وَغَرِيبٌ أنّ في حُضنِ الوَطَنْ
يَشْتَرِي الأَمْنَ وَيَغْلُو فِي الثَّمَنْ
لَمْ يَجِدْ مَنْ يَحْتَوِي غُرْبَتَهُ
فِي بِلادِ العُرْبِ، فَازْدَادَ الشَّجَنْ
مِنْ حُدُودٍ مَزَّقَتْ أَوْطَانَنَا
مِنْ رُبَى المَغْرِبِ بَلْ حَتَّى عَدَنْ
أَصْبَحَ الأَعْدَاءُ إِخْوَانًا لَهُمْ
وَرَمَوْهُ بَيْنَ أَحْضَانِ المِحَن
وَسَقَوْهُم مِنْ زُلَالٍ رَائِقٍ
وَسَقَوْهُ المَاء يَعْلُوهُ العَطَنْ
نَهَبُوا القُوتَ وَلَمْ يُبْقُوا لَهُ
لَوْ رَغِيفَ العَيْشِ يَعْلُوهُ العَفَنْ
يَا بِلادًا أَوْجَعَتْنَا غُرْبَةً
أَصْبَحَ الابْنُ لَدَيْهَا مُمْتَهَنْ
جَرَّعُوهُ الذُّلَّ مِنْ كَأْسِ الرَّدَى
فَاشْتَكَى القَلْبُ جِرَاحًا وَوَهَنْ
يَسْكُبُ الأَحْزَانَ فِي دَرْبِ النَّوَى
يَكْتُبُ الأَشْعَارَ فِي حُبِّ الوَطَنْ
ثناء شلش
ونلاحظ كيف تزداد الصورة قسوةً وتجلياً لحالة الإحباط حين تصف مفارقة سلب الخيرات وتوزيع الأدوار:
وَسَقَوْهُم مِنْ زُلَالٍ رَائٍقٍ ،، وَسَقَوْهُ المَاء يَعْلُوهُ العَطَنْ
حيث نجحت بمفردة "العطن" في إبراز التفاوت المؤلم وتجسيد الوجع القومي بأسلوب يجمع بين شجاعة البوح وعمق المأساة.
وحين تلتفت إلى مصر في قصيدة «في حب مصر»، تقدم تحية وفاء واعتزاز بملحمة الصمود، مبتدعةً استهلالات تلامس تفاصيل الأرض الطيبة، لتتجلى الشاعرية في استحضار التاريخ والرمز الديني ببراعة حين تقول:
مِنْ أيْنَ أبْدأُ مِنْ سَنابِلِ قَمْحِها ،، حِينَ العِجافِ طَغتْ على السّنواتِ.
مِصْرُ الكِنانةُ أشْرَقتْ فِي ذَاتِي
فِي حُبّ مِصْرَ تأَلّقتْ كَلِماتِي
مِنْ أيْنَ أبْدأُ مِنْ سَنابِلِ قَمْحِها
حِينَ العِجافِ طَغتْ على السّنواتِ
مِنْ نِيلِها الفيّاضِ أهْدَى ماءَهُ
كيْ تَنبُتَ الأزهارُ بالْفلَوَاتِ
مِنْ ألْفِ مِئْذنةٍ يُردّدُ صوْتُها
اللّهُ أكبرُ ..بَدّدَ الظّلُمَاتِ
مِنْ ذِي المَشافِي والنّطاسِيّ الذي
كمْ ردّ للقلبِ الشّجِي النّبضاتِ
مِنْ بابِها المَفتُوحِ يُؤْوِي جارَها
حينَ اشْتِدادِ الْبأْسِ والأَزَماتِ
مَنْ قَلْعَةِ الإسلامِ أَزْهرِها الّذي
أرْسَى القواعدَ للزّمانِ الآتِي
مِنْ جَامِعاتٍ فَتّحَتْ أبَوابَها
مِنْ كُلّ فَجٍّ عَلّمَتْ .. وشَتاتِ
بِمُعَلّمِيها حِينَ طَافُوا بالدّنَي
مَحَوُا الجَهالةَ فِي تُقى وأَناةِ
كَمٍ أَرْسَلتْ جـندًا لها لِمَعُونةٍ
أرْضَ الْيَمانِ وأَرْسَلتْ لِفُراتِ
هُمْ خَيرُ جُنْدِ الأرضِ مَنْ ذَا مِثْلهمْ
فِي بَأْسِهمْ فِي عِزّةٍ وثباتِ
ماذا أقُولُ وكُلّ قَوْلٍ دُونَها
فِي مَدْحِها لَمْ تَتّسِعْ صَفحَاتِي
مَصرُ الحبيبةُ أنتِ فوقَ مَلامِهمْ
فَتَرفّعِي بلدِي عَنِ الْهَفَواتِ
وهكذا تدفق الشعور ليرسم عطاء مصر المتجاوز للحدود في قولها:
كَمٍ أَرْسَلتْ جـندًا لها لِمَعُونةٍ ،، أرْضَ الْيَمانِ وأَرْسَلتْ لِفُراتِ
هُمْ خَيرُ جُنْدِ الأرضِ مَنْ ذَا مِثْلهمْ ،، فِي بَأْسِهمْ فِي عِزّةٍ وثباتِ
هكذا بعيداً عن المباشرة وبما يعكس حباً خالصاً متعالياً على الظروف.
أما قصيدة «غربة المشاعر»، فتأخذنا في رحلة وجودية تتنقل فيها بين عناصر الطبيعة الشاخصة لتجسد حالة التشتت والضياع الداخلي، حيث تقول:
إِذا لِلبَحرِ سارَ يَثورُ مَوجٌ ،، وَإِنْ لِلنَّهرِ ،أَجَّ بِهِ الفُراتُ
متدرجة في التصوير المتتابع للنكوص حتى تبلغ الذروة في انكسار الرجاء الإنساني:
وَنادى: يا رِفاقي أَدرِكوني ،، فَجاوبَهُ الصَّدى: خانَ الرِّفاقُ.
غَريبٌ ، كمْ يُؤَرّقهُ الشّتاتُ
فأَنَّ لَهُ المُقامُ، بل الحَياةُ
إِذا لِلبَحرِ سارَ يَثورُ مَوجٌ
وَإِنْ لِلنَّهرِ ،أَجَّ بِهِ الفُراتُ
وَإِنْ لِلشَّرقِ فاجَأَهُ غُروبٌ
وَإِنْ لِلغَربِ جارَت حالِكاتُ
وَإِنْ آوى إِلى صُمِّ الجِبالِ
تُأَرجِحهُ الرِّياحُ العاصِفاتُ
يُيَمِّمُ وَجهَهُ صَوبَ الصَّحارى
تَكرُّ عَلَيهِ فيها العادِياتُ
فَأَسرَجَ خَيلَهُ يَبغي فِرارًا
فأَقبَلَتِ الخُيولُ الصافِناتُ
وَنادى: يا رِفاقي أَدرِكوني
فأَنتُم لي الدُّروعُ السابِغاتُ
فَجاوبَهُ الصَّدى: خانَ الرِّفاقُ
فَلَيسَ بِهِمْ، أَلَمْ تَدرِ، الثِّقاتُ
فَحَنَّ عَلَيهِ بَدرٌ في السَّماءِ
وناجَتهُ النُّجومُ الزاهِراتُ
أَتيأَسُ وَالإِلَهُ يُزِيدُ أَجرًا
لِمَن في البَأسِ يَعلوهُ الثَّباتُ
تَوَجَّهْ لِلإِلَهِ تَطبْ جِرَاحٌ
فَيُقبِل ،ثُمَّ تُسعِدُكَ الحَياة
وهكذا تنهي النص بعودة حكيمة إلى السكينة واليقين عند قولها:
تَوَجَّهْ لِلإِلَهِ تَطبْ جِرَاحٌ ،، فَيُقبِل ،ثُمَّ تُسعِدُكَ الحَياة .
وفي قصيدة «يا نيل»، تنتفض الشاعرة بنبرة غاضبة ترفض الخنوع والاستكانة أمام التهديد، متوسلة بعبارات حماسية ذات جرس هادر مثل:
زَمْجِرْ / بِمَائِكَ دَمِّرَنّ سُدُودَهُمْ ،، وَاتْرَعْ بِأَمْرِ اللهِ هَاتِ جَدِيْدَا.
ثم تحول المياه إلى رمز للحياة والدم النابض في الأوردة حين تشدو:
يَا نِيْلُ مَاؤُكَ لِلْقُلُوبِ دِمَاؤُهَا
كَمْ ذَا سَقَيْتَ وَكَمْ مَلأْتَ وَرِيْدَا
في صياغة قوية تنتصر للحق المهدد وتثبت عزة النيل وكرامته.
يَا نِيْلُ لِمْ تَمْشِي .. فُدِيتَ .. وَئِيدَا؟
سِرْ دُوْنَ خَوْفٍ كَمْ نُرِيدُ مَزِيدَا
زَمْجِرْ بِمَائِكَ دَمِّرَنّ سُدُودَهُمْ
وَاتْرَعْ بِأَمْرِ اللهِ هَاتِ جَدِيْدَا
يَا نِيْلُ مَاؤُكَ لِلْقُلُوبِ دِمَاؤُهَا
كَمْ ذَا سَقَيْتَ وَكَمْ مَلأْتَ وَرِيْدَا
وَحَدَائِقٍ كَمْ ذَا رَوَيْتَ وُرُودَهَا
كَمْ زَيَّنَتْ لِلْفَاتِنَاتِ الْجِيْدَا
تِلْكَ الصَّحَارِي بِالْمِيَاهِ تَأَلَّقَتْ
فَالزَّرْعُ جَاءَ إِلَى الْوُجُودِ نَضِيْدَا
وَالطَّيْرُ مِنْكَ كَمِ ارْتَوَتْ ثُمَّ انْثَنَتْ
تُثْنِي عَلَيْكَ وَغَرَّدَتْ تَغْرِيْدَا
يَا نِيْلُ لَا تَرْضَخْ لِحُكْمِ أَعَاجِمٍ
فَالْحِقْدُ يَبْدُو خَالِداً وَتَلِيْدَا
امْضِ بِأَمْرِ اللهِ أَبْطِلْ كَيْدَهُمْ
وَسِرْ وَرَدِّدْ لِلْوُجُودِ نَشِيْدَا
وتصدح قصيدة «تاج اللغات» بدفاع متين عن لغة الضاد في وجه التغريب، متوجة اللغة بعرش البهاء في قولها:
لُغَةٌ عَلَى عَرْشِ اللُّغَاتِ تَرَبَّعَتْ ،، قَدْ تَوَّجَ الْقُرْآنُ حَرْفَ الضَّادِ
وتتجلى قوة البيان في التصدي للرطانة وتزييف الرقي عبر بيت بليغ يختصر القضية:
لَيْسَ الرُّقِيُّ بِأَنْ يُغَرَّبَ فِكْرُكُمْ ،، وَلِسَانُكُمْ يَهْوِي بِقَاعَ الْوَادِي
داعية للاستزادة من مكنونها الثمين الذي يتجلى في قمم العلوم والمعارف.
تقول:
لُغَتِي نُجُومٌ بَدَّدَتْ لِسَوَادِ
فَلْتَسْمَعُوا فِي حُسْنِهَا إِنْشَادِي
فَصَبَاحُهَا بِالْخَيْرِ يَمْلَأُ دَرْبَنَا
وَمَسَاؤُهَا عِطْرٌ يَجُوبُ بِلَادِي
مِنْ حَرْفِهَا السَّامِي نَصُوغُ شُعُورَنَا
وَبِحَرْفِهَا السَّامِي نَصُدُّ أَعَادِي
لُغَةٌ عَلَى عَرْشِ اللُّغَاتِ تَرَبَّعَتْ
قَدْ تَوَّجَ الْقُرْآنُ حَرْفَ الضَّادِ
يَا مَنْ حَسِبْتُمْ غَيْرَهَا فَخْرًا لَكُمْ
مَا أَبْشَعَ الْفِكْرَ الْعَقِيمَ الصَّادِي
بِالْأَعْجَمِيَّةِ قَدْ نَطَقْتُمْ حَرْفَكُمْ
يَا غُرْبَةً قَدْ أَصَّلَتْ لِمُرَادِ
لُغَةٌ رَكِيكٌ حَرْفُهَا وَبَيَانُهَا
لَا تَحْتَوِي مَا يَرْتَجِيهِ فُؤَادِي
لَيْسَ الرُّقِيُّ بِأَنْ يُغَرَّبَ فِكْرُكُمْ
وَلِسَانُكُمْ يَهْوِي بِقَاعَ الْوَادِي
إِنَّ الرُّقِيَّ هُوَ الْبُلُوغُ بِحَرْفِكُمْ
قِمَمَ الْعُلُومِ بِهِمَّةٍ وَرَشَادِ
أُمُّ اللُّغَاتِ وَهَلْ جَحَدْتُمْ فَضْلَهَا؟
وَحُرُوفُهَا نُورٌ ،لِقَلْبٍ هَادِي
فِي بَحْرِهَا الطَّامِي لَآلٍ فَابْحَثُوا
كُلُّ الْكُنُوزِ تَؤُولُ لِلْمُرْتَادِ
وَلْتَنْظِمُوا مِنْهَا الْعُقُودَ تُخَلَّدُوا
تَرَكَ الْجُدُودُ الْكَنْزَ لِلْأَحْفَادِ
وَلْتَسْأَلُوا عَنْ ذِي الْقَصَائِدِ عُلِّقَتْ
قَدْ خَلَّدَتْ مَنْ قَامَ بِالْإِنْشَادِ
هِيَ لِلْقُلُوبِ إِذَا اعْتَرَاهَا لَوْعَةٌ
تَأْسُو الْجِرَاحَ تَعُودُ بِالْإِسْعَادِ
هِيَ لِلنُّفُوسِ إِذَا تَنَافَرَ وُدُّهَا
تَأْتِي تُعِيدُ الْوُدَّ لِلْأَكْبَادِ
لُغَةُ الْبَيَانِ إِذَا تَلَوْتُمْ حَرْفَهَا
كَمْ يَرْتَقِي الْقُرْآنُ بِالْعُبَّادِ
فَلْتَقْرَؤُوا فِيهَا لِيَرْقَى فِكْرُكُمْ
و لَا تَكُونُوا بِهَا مِنَ الزُّهَّادِ
وَلْتُنْصِفُوهَا مِنْ لُغَاتٍ أُقْحِمَتْ
فِي حَرْفِهَا لِتَرُدَّهَا لِمِهَادِ
فَتَزَوَّدُوا مِنْهَا لِيَوْمِ نُشُورِكُمْ
حِينَ الْكِتَابُ أَتَى عَلَى الْأَشْهَادِ
وَتَزَوَّدُوا مِنْهَا لِجَنَّةِ رَبِّكُمْ
فَبِهَا حَدِيثُ الْأَهْلِ وَالرُّوَّادِ
بينما تتجلى في قصيدة «هلّا رجعت» لوعة الفراق الإنساني المتمثل في توديع شهر الصيام، حيث تتناغم الدموع الحارة مع الشوق في تساؤل يفيض بالرقة والشفافية:
يا شهرنا أو ما قرأت رسائلي ،،أرجوك فيها تسرعن لتلاقي
تقول:
قلبي يئن وأعيني هتانة
ودموعها قد أحرقت أحداقي
لوداع شهر كم رجونا مكثه
فإذ الليالي آذنت بفراق
ياشهرنا هل أنت حقا زرتنا
هي لمحة ما أطفأت أشواقي
فلم التعجل بالرحيل .. زهدتنا
أم كان مكثك بيننا لسباق
ماكدت أروي من حياضك غلتي
حتى ظمئت .. جوارحي خفاقي
ها قد رحلت تركتنا لمتاهة
وأخاف زخرفها يشد وثاقي
يا شهرنا أو ما قرأت رسائلي
أرجوك فيها تسرعن لتلاقي
ماكدت تدنو ..لمْ رجعت مهرولا
فتمزقت من حزنها أوراقي
يا شهرنا بالله وقّف لحظة
هلا رجعت هنيهة لعناقي
وهكذا تبلغ الرجفة الوجدانية مداها في البيت الأخير الذي يجسد التشبث باللحظة المباركة:
يا شهرنا بالله وقّف لحظة ،، هلا رجعت هنيهة لعناقي .
وفي قصيدة «يا غربتي»، تتعمق الشاعرة في جرح الفقد الأبدي برحيل الأم التي كانت تمثل الوطن والملجأ والمحراب الروحي، في تعبير يفيض بحرارة الحزن:
يا غربتي من بعد أمي دارها ،، كانت مزاري كعبتي وطوافي،
تقول:
يا غربتي من بعد أمي دارها
كانت مزاري كعبتي وطوافي
كانت جنان الخلد في أعتابها
واليوم قلبي للديار مجافي
إن جاء ذكر الدار هلت دمعتي
وتكدر الذكرى معيني الصافي
يادار كيف صمدت بعد فراقها
أنسيتها ... ماذاك بالإنصاف
في كل ركن منك فاح أريجها
وانداح ذاك العطر بالأكناف
فهنا المصلى والقيام وهاهنا
صوت بذكر الله ليس بخافي
وهنا البشاشة والحبور إذا أتى
للدار من أهل ومن أضياف
وهنا العطاء بطيبة وسماحة
لاتخشى للأموال من إتلاف
يادار راح ربيع عمرك فاحزني
أين الهتون بدمعك الوكّاف
يادار قولي كيف أصمد بعدها
وأزيل جيش الحزن عن أكتافي
ونلاحظ كيف تحولت أركان الدار الخالية إلى شواهد ناطقة بالغياب في قولها المتألم:
يادار كيف صمدت بعد فراقها ،، أنسيتها ... ماذاك بالإنصاف
في واحد من أكثر نصوصها صدقاً ولوعة عاطفية.
وتتوهج قصيدة «وردة العشق» بشجون العاطفة المشتعلة والجراح التي تتركها الأشواق، حيث تزاوج الشاعرة بين رقة النور وقسوة النوى عبر تساؤل وجودي شفاف:
يا وَرْدَةَ العِشْقِ المُحاطَةَ بِالنَّدَى ،، أإِذَا رَحَلْتِ فَأَيُّ شَيْءٍ بَاقِي؟
لتعرب عن استسلام الفؤاد وسلطة القصيدة في قاطعتها الحاسمة:
إِنْ غَابَ نَجْمُكِ عَنْ سَمَائِي فِتْنَتِي ،، أَعْلَنْتُ وَأْدَ الشِّعْرِ مِنْ إِمْلَاقِي .
تقول:
يا وَرْدَةَ العِشْقِ المُحاطَةَ بِالنَّدَى
أ إِذَا رَحَلْتِ فَأَيُّ شَيْءٍ بَاقِي؟
أَسْهَدْتِ فِي قَلْبِي الدَّمَا نَبَضَاتِهِ
أَسْهَدْتِ حَتَّى الدَّمْعَ فِي أَحْدَاقِي
وَتَرَكْتِ جُرْحًا فِي الضُّلُوعِ أَنِينُهُ
مَنْ ذَا يُضَمِّدُهُ، أَيَا تِرْيَاقِي؟
يَا مَنْ أَخَذْتِ نَدَى الوُرُودِ عَبِيرَهَا
وَتَرَكْتِ أَشْوَاكًا بَرَتْ أَعْمَاقِي
آهٍ لِنِيرَانِ الجَوَى وَلَهِيبِهِ
مَنْ ذَا سَيُطْفِئُ نَارَهَا أَشْوَاقِي؟
لَوْ كُنْتُ أَحْسَبُ أَنَّ حُبَّكِ مُهْلِكِي
أَوْ أَنَّنِي أَسْعَى إِلَى إِحْرَاقِي
مَا كُنْتُ سَلَّمْتُ القِيَادَ لِخَافِقِي
أَرْجُوكِ مِنْ أَسْرِ الهَوَى إِعْتَاقِي
يَا نَجْمَةً عَشِقَتْ عُيُونِي سِحْرَهَا
قُولِي بِرَبِّكِ هَلْ يَحِينُ تَلَاقِي؟
شِعْرِي إِلَيْكِ نَذَرْتُهُ وَوَهَبْتُهُ
مَاذَا سَأَكْتُبُ؟ تَشْتَكِي أَوْرَاقِي
إِنْ غَابَ نَجْمُكِ عَنْ سَمَائِي فِتْنَتِي
أَعْلَنْتُ وَأْدَ الشِّعْرِ مِنْ إِمْلَاقِي
وتختتم هذه الرحلة بقصيدة «يا صهوة الخيل» الصارخة بالحرقة على واقع الأمة ومواقف الخذلان المعاصرة، مقتنصة المعنى الإنساني الأليم في بيتها :
الْحُبُّ لُقْمَةُ عَيْشٍ مَاتَ فَاقِدُهَا ،، وَكَأْسُ مَاءٍ لِطِفْلٍ مَاتَ لَا يَدْرِي
ثم تتصاعد النبرة لتستدعي أمجاد حطين وصلاح الدين،
تقول:
لَا تَطْلُبِ الْحَبَّ مِنْ نَفْسٍ قَضَتْ جُوعَا
أَوْ تَطْلُبِ الصَّبْرَ مِمَّنْ بَاتَ فِي ضَجَرِ
الْحُبُّ لُقْمَةُ عَيْشٍ مَاتَ فَاقِدُهَا
وَكَأْسُ مَاءٍ لِطِفْلٍ مَاتَ لَا يَدْرِي
أَيْنَ الْعُرُوبَةُ .. كَمْ يَسْمَعْ بِمَجْدِهِمُ
الْمَجْدُ وَلَّى فَيَا نَفْسِي لِتَصْطَبِرِي
يَبْكِي لَيَالٍ مَضَتْ كَمْ عَزَّ فَارِسُهَا
يَا صَهْوَةَ الْخَيْلِ هَلْ لِلْجُنْدِ مِنْ خَبَرِ
أَيَا صَلَاحٌ وَيَا حِطِّينُ يَا سَعْدُ
عَقِمتْ بِلَادِي وَأَضْحَى وَضْعُنَا مِزْرِي
عَنِ الْمَلَاحِمِ وَالْغَزَوَاتِ قَدْ جبِنُوا
وَلِلْمَفَاسِدِ .. وَيْلِي .. كُلُّهُمْ يَجْرِي
عُمْيٌ وَصُمٌّ وَعَقْلٌ جاء منْ عَفنٍ
وَلِلأَعَادِي يُصِيخُوا السَّمْعَ فِي ذُعُرِ
يَا أُمَّةَ الْعَارِ مَلَّ الْعَارُ ذُلّكُمُ
وَالصَّمْتُ يَصْرُخُ يَا أَصْوَاتُ فَانْفَجِرِي
ثُورِي بِوَجْهِ وُلَاةٍ ضَلَّ سَعْيُهُمُ
فَقَدُوا الْكَرَامَةَ .. يَا نِيرَانُ فَاسْتَعِرِي
أَيَا ثَمُودُ ، وَيَا مَنْ خَانَ عَهْدَهُمُ
عُدُّوا ثَلَاثًا وَتَأْتِي الصَّيْحَةُ ، انْتَظِرِي
يَا قَوْمَ عَادٍ لِمَكْرِ اللَّهِ لَا أَمْنٌ
أَتَتْ رِيَاحٌ فَلَمْ تُبْقِ وَلَمْ تَذَرِ
يَا صَابِئُونَ جَحَدْتُمْ فَضْلَ خَالِقِكُمْ
عَبَدْتُمُ الْعِجْلَ .. يَا هَارُونُ .. مَا يَجْرِي
سِرْتُمْ بِرَكْبِ عِدَاكُمْ خَابَ قَائِدُكُمْ
أَلَيْسَ مِنْ عَادِ .. يَا وَيْلَاهُ .. أَوْ مُضَرِ
يَا أَهْلَ غَزَّةَ مَلَّ الصَّبْرُ صَبْرَكُمُ
إذ تَخْرُجُونَ ومن كَرْبٍ إلى عُسُرِ
مُدُّوا الْأَيَادِي إِلَى الرَّحْمَنِ وَابْتَهِلُوا
وَبِعِزَّةِ اللَّهِ ذِي الْجَبَرُوتِ فَانْتَصِرِي
وهكذا تنهي القصيدة باستنهاض أهل غزة بعبارات تعبق بالتحدي والإيمان:
مُدُّوا الْأَيَادِي إِلَى الرَّحْمَنِ وَابْتَهِلُوا ،، وَبِعِزَّةِ اللَّهِ ذِي الْجَبَرُوتِ فَانْتَصِرِي.
وختاماً، تمثل الشاعرة ثناء شلش صوتاً نبيلاً يتألق بصدق التجربة ونقاء السريرة، حيث تتحد في شعرها براعة البيان مع العمق والالتزام بقضايا الأمة والروح، لتترك بصمة واضحة ومميزة في خارطة الشعر العربي المعاصر الذي يحمل هموم الإنسان وينتصر للحق والجمال والهوية.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض