تأملات
بغض النظر عن المأزق الذى يواجهه رئيس الوزراء الإسرائيلى نتنياهو بعد الانتخابات الأخيرة والتى أدت إلى فقدانه الأغلبية بشكل قد يعوق تشكيله للحكومة إلا أننا لا يجب أن نأمل الكثير، كعرب أو فلسطينيين، على صعيد قضايا الاشتباك مع الدولة العبرية. صحيح أن رحيل نتنياهو عن الحكم بما اقترفه من حرب إبادة على غزة يعتبر تطورا مهما لا يملك المرء معه سوى الشعور بالارتياح، إلا أننا لا يجب أن نسرح بمستوى خيالنا لتصور أن رياح التغيير قادمة فى إسرائيل.
فى حدود القراءة السريعة لما يجرى فإن الخليفة المحتمل لنتنياهو هو آيزنكوت رئيس حزب «يشار» الإسرائيلى والذى يسوق لعملية توليه الحكومة على أساس مبادئ أربعة لا تمثل تغييرا كبيرا عن الأسس التى ينطلق منها نتنياهو بعيدا عن الاتهامات المتبادلة بينهما بشأن الحفاظ على الدولة العبرية والتى لا تعدو فى النهاية سوى أن تكون جزءا من اللعبة السياسية فى إسرائيل. فمعسكر التغيير الذى يبذل جهودا مكثفة لإقصاء نتنياهو وتشكيل حكومة بديلة يقوم فى جوهره على مجموعة المبادئ التى طرحها آيزنكوت كشروط أساسية لأى شراكة أو انضمام لتشكيل الحكومة الإسرائيلية، وأول هذه المبادئ يهودية الدولة العبرية، إلى جانب الإقرار بأن حركة حماس منظمة إرهابية والإقرار بضرورة القضاء على قدراتها العسكرية والحكومية فى القطاع.
قد يشير البعض إلى أن ذلك قد يكون طبيعيا فى إطار السعى لتولى الحكومة وأن توجهات أيزنكوت وحلفائه قد تكون أكثر مرونة على صعيد التعامل مع الوضع الفلسطينى، غير أنه فى حدود المؤشرات التى يمكن رصدها على صعيد مواقف الأطراف التى يمكن أن تنجح فى تشكيل تحالف مضاد لنتنياهو وإقصائه عن الحكومة، لا يجب توقع الكثير.
وإذا كان الواقع يشير إلى أن العرب فى مواجهة ما يجرى فى إسرائيل ليس لديهم سوى التعامل مع حقائق على الأرض، فإن آيزنكوت ربما يكون أهون الشرين، إذا قارناه بنتنياهو والذى يتجاوز ميراثه ما جرى فى غزة لحد تشكيل واقع جديد فى المنطقة يمثل خصما من الحقوق العربية. ويجرنا ذلك إلى التأكيد على أنه بغض النظر عن الجالس على كرسى رئاسة الوزراء فإن المحدد الأساسى لسياساته هو حدود قدرتنا على التعاطى مع تلك السياسات والتى لن تكون سوى انعكاس إما لضعفنا أو لقوتنا، فى ظل واقع يشير إلى أن حال الضعف هو القائم والأقرب للاستمرارية.
هل يعنى ذلك عدم السعى للتدخل لترجيح كفة طرف على آخر؟ لا بالطبع، فالبراجماتية السياسية تتطلب العمل على بذل كل ما يمكن فعله من أجل التأثير فى موقف الخصم أو العدو أيا كان حجم هذا التأثير. وتبدو هذه الرؤية مهمة فى ضوء حقيقة أن الموقف لم يحسم بعد وأن نتنياهو يرفض الاعتراف بالهزيمة رغم عدم حصوله على الأغلبية وإمكانية اتحاد الخصوم وتشكيل ائتلاف يقضى على فرصه فى العودة.
تبقى فى هذا الصدد نقطة مهمة وهى حجم المشاركة العربية فى الانتخابات وهى نقطة مثيرة للجدل سواء على الصعيد الفلسطينى أو حتى على صعيد الرأى العام العربى، وهى فى تصورى مشاركة مهمة ويجب دعمها باعتبار ما يمكن أن تلقيه من تأثير سواء على حجم المقاعد التى يمكن شغلها من قبل الأحزاب العربية والتى حققت قفزة كبيرة بحصولها على 19 مقعدا وهو رقم مؤثر فى أى ائتلاف حكومى أو على صعيد تأثير نمط التصويت العربى على اتجاه القائم على إدارة السياسة الإسرائيلية تجاه القضية الفلسطينية وهو ما يفسر هجمة نتنياهو على تلك المشاركة لحد اتهام الأحزاب العربية بسرقة الانتخابات.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض