مراجعات
عندما نتحدث عن «المثالية»، فإنها لا تعني بالضرورة «مثالية المُتحدث»، ولذلك قد يستطيع الإنسان أن يُقَدِّم حلولًا للآخرين ـ في أي أزمة أو مشكلة ـ بطريقة «مثالية»، أما اعتقاده بتلك النظريات، فربما يكون في ذلك إعادة نظر!
بكل أسف، لم نكن نتخيل يومًا أن يأتي الوقت الذي نتعلم فيه من أبنائنا، أكثر مما يتعلمون منَّا، بل كثيرًا ما نجد أنفسنا ـ بعد سنوات طويلة قضيناها في تربيتهم وتوجيههم ـ أمام جيل يصعب علينا فهمه، وبالتأكيد يصعب عليه فهمنا أيضًا!
الآن، ربما تغير الزمن، بصورة تفوق قدرتنا على الاستيعاب، مع جيل نشأ في عالم مفتوح بلا أبواب، ويعيش واقعًا مختلفًا تمامًا عن واقع تربَّينا فيه، كما لم تعد نصائح الآباء كافية لتشكيل وعي الأبناء، الذين أصبح لكلٍ منهم عالمه الخاص، ومفاهيمه التي تتعارض أحيانًا مع كل ما آمنَّا به واعتبرناه من الثوابت.
ربما تكمن صعوبة التعامل مع هذا الجيل في أننا لا نختلف معه في طريقة التفكير فقط، بل في تعريف الصواب والخطأ، وفَهم معاني الاحترام والمسؤولية والالتزام والانضباط، لنشعر أحيانًا بأن كثيرًا من القِيَم والمعاني التي تربَّينا عليها تتراجع أمام ثقافة استهلاكية سريعة الذوبان!
إذن، لا نملك رفاهية إلقاء اللَّوم كله على الأبناء، لأننا نحن الذين صنعنا جانبًا من هذا الواقع، بعد أن انشغلنا وأُشغلنا بتوفير احتياجاتهم المادية، وغابت عنَّا بعض احتياجاتهم الأخرى، كما لم نُدرك أن التربية سلوك يُرى، ومواقف تُحفظ، وقُدوة تسبق التوجيه، وليست إلقاء أوامر، ولا ترديد نصائح، أو فرض عقوبات.
لعل الدرس الأصعب الذي نتعلمه من أبنائنا هو أن نراجع أنفسنا قبل أن نُحاكمهم، ونتعلم كيف نُصغي إليهم قبل أن نُطالبهم بالإنصات إلينا، فليس المطلوب أن نتنازل عن قِيمنا وديننا وثوابتنا، وإنما بامتلاك لغة عصرية جديدة، تميز بين ما يجب أن يتغير وما لا يجوز التفريط فيه.
يقينًا، يجب الإقرار بأن الأبناء لا يحتاجون إلى آباء معصومين لا يخطئون، بل يريدون آباءً يمتلكون شجاعة الاعتراف بأخطائهم، خصوصًا أن الجيل الجديد لا يحتاج إلى قدوة تتحدث عن الفضيلة دائمًا، بقدر ما يتطلعون إلى أشخاص يمارسونها أمام أعينهم.
أخيرًا.. علينا أن نعترف بحقيقة تستحق التأمل، وهي أننا لم نعد نُربي أبناءنا وحدهم، بل هم أيضًا يُعيدون تربيتنا، ويكشفون لنا ما غفلنا عنه، بل قد يجبروننا على مراجعة أفكارنا ومواقفنا، لنصل إلى علاقة قويمة وصحية يحكمها حوار العقل والقلب، وليس صراع الأجيال.
فصل الخطاب:
أعظم ما يمكن أن نتركه لأبنائنا، ليس ما نملكه لهم، بل ما نزرعه في داخلهم من دِين وضمير وأخلاق وإنسانية.
- الحوار بين الآباء والأبناء
- الفجوة الفكرية بين الأجيال
- أزمة التربية الحديثة
- محمود زاهر
- الكاتب الصحفي محمود زاهر
- تربية الأبناء في عصر الانفتاح
- أزمة الحوار الأسري
- اختلاف المفاهيم بين الأجيال
- المسؤولية التربوية للآباء
- القيم الأخلاقية والتربوية
- الثقافة الاستهلاكية
- الوعي الأسري
- الثوابت والقيم
- التربية في العصر الرقمي
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض